التعرض لنفس تجارب الآخرين لا يولد الشعور بالتعاطف معهم

التعاطف مع الغير والتعامل بلطف وصفهما علماء النفس بنوع من السمو الأخلاقي الذي يخلق الشعور بالراحة والعدوى بين الآخرين في تعاطفهم مع بعضهم البعض. وأكدت دراسات أن الرحمة والتعاطف مقياس أخلاقيات الإنسان، وعلى أساسهما يتعامل الإنسان في جميع المواقف التي يمر بها خلال حياته.
الأحد 2015/11/01
المرور بتجربة صعبة يولد الرغبة في معاقبة من يكافحون للتأقلم مع الأزمات

واشنطن - توصلت دراسة أميركية حديثة إلى أن تعرض الإنسان لنفس تجارب الآخرين لن يساعده في الشعور بالتعاطف معهم. وهو ما ينافي الاعتقاد السائد بأن الإنسان لن يتمكن من الحكم على غيره حتى يتعرض لنفس موقفه.

وأكدت الدراسة التي أنجزت في جامعة نورث وسترن في الولايات المتحدة الأميركية أن التعرض لنفس مشكلات شخص آخر يمكن أن يجعل الفرد أقل تعاطفا مع مشكلته، وذلك لأن الإنسان يميل بطبعه إلى نسيان آلام الصعوبات السابقة، وبالتالي تكون درجة تعاطفه أقل مع الأشخاص الذين يتعرضون للمشكلة ذاتها.

وقال المشرفون على الدراسة إنه إذا تمكن الإنسان من التغلب على مشكلة بعينها، فإنه يميل للاعتقاد بأن الآخرين يجب عليهم أيضا أن يتمتعوا بالقدرة على التغلب عليها.

واستند الباحثون لبلوغ هذه النتيجة على سلسلة من الاختبارات لقياس درجة التعاطف مع الآخرين، ركز أحدها على قراءة أكثر من 200 متطوع لقصة عن رجل يجاهد بشدة للعثور على عمل دون جدوى حتى اضطر في النهاية إلى بيع المخدرات لكسب المال.

وأوضحوا أن المتطوعين الذين تغلبوا على مشكلة البطالة في الماضي كانوا أقل تعاطفا مع الرجل مقارنة بالمتطوعين الذين لا يشغلون حاليا أي وظيفة أو لم يتعرضوا لهذا الموقف من قبل أبدا.

وأثبتت الدراسة أن الأشخاص الذين تغلبوا على مصاعب معينة في الماضي بدوا أقل تعاطفا مع الذي يواجه المصاعب نفسها، مقارنة بالأشخاص الذين لم يواجهوا المشكلة بعينها في الماضي.

وقال الباحثون ريتشل روتان، وماري هانتر ماك دونيل، ولوران نوردغرين: تخيّلي بأنّك قد أصبحت أمّاً منذ أيّام فقط. ونتيجة لشعورك الغامر وحالة الإنهاك التي لديك، بدأ أداؤك في العمل يتراجع. وأنت تشعرين بحاجة ماسّة إلى إنجاز جزء من عملك انطلاقاً من المنزل لكي تتمكّني من تخصيص المزيد من الاهتمام لعائلتك. فإذا كانت إحدى مديراتك قد أنجبت أطفالا خلال تسلّقها للسلّم الوظيفي، والأخرى لم تكن قد أنجبت أطفالا أثناء ذلك، فأيّ منهما ستكون أميل إلى تلبية طلبك؟

الإنسان يميل بطبعه إلى نسيان آلام الصعوبات السابقة وبالتالي تكون درجة تعاطفه أقل مع الأشخاص الذين يتعرضون للمشكلة ذاتها

وأوضحوا قائلين إن معظم الناس سيوصونك بأن ترفعي طلبك إلى المديرة التي لديها أطفال، مستندين إلى حدسهم القائل بأنّ التجربة المشتركة تولّد حالة من التعاطف. ففي نهاية المطاف، هي “مرّت بذات التجربة” ولا بدّ أن تكون أكثر من يتفهّم وضعك.

واستدركوا قائلين: لكن بحثنا الأخير يظهر بأنّ هذا الإحساس الغريزي غالبا ما يكون خاطئا. وأشاروا إلى أن سلسلة التجارب التي قاموا بها، كشفت أنّ الناس الذين واجهوا تحدّيا في الماضي (مثل التعرّض لحالة طلاق أو عدم الحصول على ترقية مستحقة) كانوا أقل استعدادا لإظهار التعاطف مع شخص يواجه المعاناة ذاتها، مقارنة مع الأشخاص الذين لم يختبروا تلك الحالة بالتحديد.

وقالوا موضحين: في التجربة الأولى، أجرينا استبيانا شمل أشخاصا من المشاركين في سباق للقفز في بحيرة ميتشيغان الأميركية شديدة البرودة خلال شهر مارس. وكان كلّ المشاركين في الاستبيان قد قرؤوا قصّة شخص يدعى بات كان قد عزم على المشاركة في السباق، لكنّه اضطر إلى الانسحاب من الحدث في اللحظة الأخيرة. والمهم جدا في الأمر هو أن المشاركين كانوا قد قرأوا قصة بات، إما قبل المشاركة في السباق بأنفسهم، وإما بعد أسبوع من تلك المشاركة. وقد اكتشفنا أنّ الأشخاص الذين شاركوا في السباق بنجاح كانوا أقلّ تعاطفا مع بات وأكثر ازدراء له بالمقارنة مع الأشخاص الذين لم يشاركوا في السباق بعد.

وأضافوا: وفي دراسة أخرى، بحثنا في حالة التعاطف مع شخص يعاني من كونه عاطلا عن العمل. وقد قرأ أكثر من 200 شخص قصّة رجل غير قادر على العثور على وظيفة على الرغم من بذله قصارى جهده. وبعد أن واجه ذلك الرجل معاناة كبيرة في تأمين احتياجات عائلته، انتهى به المطاف إلى بيع المخدرات من أجل كسب قوته. فماذا كانت النتائج؟ الناس الذين سبق لهم أن تغلّبوا على حالة البطالة في الماضي كانوا أقل تعاطفا مع الرجل وأميل إلى إطلاق أحكام سلبية بحقّه، مقارنة مع الناس الذين كانوا يعانون من البطالة حاليا أو لم يسبق لهم أن كانوا عاطلين عن العمل غصبا عنهم.
تجاهل الإحساس بالرحمة والتعاطف الذى يشعر به الإنسان تجاه الفقراء وعدم الاستجابة لهم هو أمر له آثار خطيرة على سلوك الإنسان ويجعله يفقد بعضا من التزاماته الأخلاقية

وقالوا، في دراسة ثالثة: بحثنا في مدى التعاطف مع مراهق كان يتعرّض إلى التعدّي والتنمّر من أقرانه. وكان المشاركون في الدراسة قد أخبروا إمّا بأنّ المراهق كان قادرا على التأقلم بنجاح مع حالة التنمّر التي يتعرّض لها، وإما أنّه قد فشل في التأقلم وأظهر ردّ فعل يتّسم بعنف كبير. ومقارنة مع الأشخاص الذين لم يسبق لهم أن تعرّضوا إلى المضايقة والتنمّر، فإن المشاركين الذين كانوا قد واجهوا هذه الحالة بأنفسهم كانوا أكثر تعاطفا مع المراهق الذي كان قادرا على التأقلم بطريقة مناسبة مع التجربة. ولكن وبصورة مشابهة للدراستين السابقتين، فإنّ المشاركين الذين كانوا قد تعرّضوا للمضايقة في الماضي، كانوا الأقل تعاطفا مع المراهق الذي لم ينجح في التأقلم مع حالة المضايقة التي يواجهها.

واستخلصوا من هذه النتائج أنّ الناس الذين مرّوا بتجربة صعبة هم تحديدا أميل إلى معاقبة الناس الذين يكافحون للتأقلم مع أزمة مشابهة.

وأكدوا أنه عندما نحاول أن نشجّع شخصا لكي يكون أكثر تعاطفا مع الآخرين، غالبا ما نقول له “ضع نفسك في مكانه”. ولكن على ما يتّضح فإنّ هذه الجملة هي الجملة الخاطئة تماما والتي لا يجب أن نقولها لشخص سبق له أن كان في ذلك المكان بنفسه.

وأشار عدد من الباحثين بجمعية علم النفس الأميركية إلى أن تجاهل الإحساس بالرحمة والتعاطف الذى يشعر به الإنسان تجاه الفقراء وعدم الاستجابة لهم هو أمر له آثار خطيرة على سلوك الإنسان، ويجعله يفقد بعضا من التزاماته الأخلاقية، قد تصل إلى أنه بعد ذلك قد لا يراعي أي أخلاقيات.

وقال باحثون أميركيون إن القدرة على التعاطف وفهم مشاعر الآخر تتراجع بشكل كبير عندما تختلف الآراء السياسية معه.

هذا وتوصلت دراسة كندية إلى أن استخدام العقاقير لإيقاف أثر هرمونات التوتر من الممكن أن يزيد من تعاطف البشر مع الغرباء، كما أن ممارسة نشاط ممتع كلعبة فيديو من الممكن أن يكون لها نفس تأثير الدواء في زيادة التعاطف مع الغرباء. وقالت إن أحد أسباب قلة تعاطف الإنسان في بعض الأحيان مع الغرباء من أصحاب الهموم والمشاكل النفسية هو أن الإنسان نفسه قد يعاني من الضغط العصبي.

21