التعريب في الجزائر بين "أزراج" و"بن يونس"

الأربعاء 2015/05/06

ترُى من يصنع القرار السياسي في الجزائر حين يتعلق الخلاف بين وزراء حكومة عبدالمالك سلال وبين قوى الشعب المختلفة، خاصة في مسائل محسومة دستوريا؟ لا يمكنني تقديم إجابة نؤسس عليها فهمًا لما يحدث في الجزائر اليوم، ليس فقط لأن الدولة مريضة بمرض الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، ولكن لأن هزات كبرى تواجهها البلاد اليوم قد تعيدها إلى فترة العشرية الدموية أو تجعلها تلحق، متأخرة وبشكل أكثر دموية وأوسع تطرفا مما وقع ولا يزال في دول عربية أخرى يبدو أن مصيرها التقسيم لا محالة، بركب التغيير المصحوب بالشطط وغياب الرّشد.

الهزات المتوقعة يجنيها بعض من الجزائريين في وقت مبكر من استقلال بلادهم، حين اعتقدوا، أن التحرر من الاستعمار الفرنسي يبدأ باسترجاع الهوية الوطنية، والبداية من تعلم اللغة العربية دون أن يتناقض ذلك مع الانتماءات الداخلية بما فيها تلك المؤسسة والثابت تاريخيا وعرقيا، وأقصد هنا اللغات، البعض يعتبرها لهجات، الأمازيغية، ومن بين تلك العناصر الكاتب والشاعر والسياسي عمر أزراج، الذي اختار التحرر بعد الاستقلال عام 1962 بطريقته الخاصة، وذلك حين قرر أن يكون عربي اللسان وعمره 13 عاما، وفي مدة وجيزة.

عمْرُ الدول يتشكل من عمر مواطينها، وخاصة عمرهم الإبداعي، وما يصحبه من تحدّ، وما أنجزه عمر أزراج باللغة العربية، يجعلنا نميل إلى القول أن عزيمة أزراج الإنسان أولا والمفكر والسياسي ثانيا، أقوى وأعمق وأصدق من كل ما دعا إليه صانعو القرار في الجزائر منذ الاستقلال إلى الآن بخصوص التعريب، الذي عرف في فترات حكم الرئيس بوتفليقة تراجعا لا مثيل له.

لم تتح لي فرصة الالتقاء بعمر أزراج، وإن كنت قد اطّلعت على بعض كتاباته في سن مبكرة، وربما يعود إلى كوني، قضيت ما يقارب 30 عاما في الخارج بين مصر والإمارات، في الوقت الذي قضى فيه أزراج ما يزيد عن 28 عاما في بريطانيا، ولذلك لم نلتق، ولا شك أني نادم على ذلك، خاصة بعد أن استمعت إليه، في حوار أجرته معه إذاعة “بي بي سي” في 11 أبريل الماضي، ومن خلاله اكتشفت بعضا من تجربته وخاصة مسألة التعريب، ووعيه بمدى التزاوج بين ثقافات الشعوب، وجاء ذلك بلسان عربي مبين، زاد من جماله الافتخار والولع بالأمازيغية.

بالمجهود الذاتي تعلم أزراج العربية، وتعمّق وعيه الحضاري بها، المدهش أن النظام الجزائري لم يوظف أو يستفد من تلك التجربة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى النخب بما فيها تلك التي تحمل لواء التعريب وتحقق من خلاله مصالح خاصة، بل إن الحكومة تدفعنا نحو هزات كبرى باتخاذها موقفا عدائيا من التعريب، في تناقض بين النصوص المكتوبة ووثائق الدولة الجزائرية، وبين الفعل السياسي للحكومة الحالية.

ومن بين تلك الهزات، ما يقوم به وزير التجارة عمارة بن يونس من قرارات استفزازية، يبدو فيها صاحب تصفيات سياسية وحزبية ذات صلة بالهوية الوطنية مع الشعب الجزائري أولا، ومع القوى الوطنية ثانيا، وأقرب فعل إلغاؤه وسم تعريب المواد المستوردة، كشرط لدخولها إلى الجزائر، وإعفاء المستوردين من غرامة تقدر بـ20 مليون سنتيم، في حال عدم تقيدهم بالقانون الذي يلزمهم منذ 2008 بتعريب السلع المستوردة، بهدف إعلام المستهلكين بمحتوياتها، وكل التفاصيل المتعلقة بمكان وجهة تصنيعها وعنوان المستورد باللغة العربية.

مهما يكن، فإن القرار الوزاري لا يزال في البداية، وعلى الوزير أن يتراجع عنه بعد أن اعتبرته أحزاب وقوى المجتمع المدني وقيادات دينية حربا ضد التعريب ومصلحة المستهلكين، وإعطاء المستوردين فرصة للتحرر من الوسم العربي، وإغراق الأسواق بسلع مجهولة التكوين والمصدر، وحتى عنوان الجهة المستوردة، في ظل ما تعانيه الجزائر من غياب لفرق الرقابة خاصة على مستوى الأسواق الفوضوية، وإلا ستدخل البلاد في صراع يهدد الجبهة الداخلية، ويدخلها في نفق مظلم بعد أن تحركت القوى الإسلامية على أكثر من صعيد في ظل ضعف الحكومة وغياب الرئيس بوتفليقة شبه الكلي.

الفرق بين موقف الحكومات الجزائرية من التعريب، كما هو في قرار الوزير بن يونس، وموقف بعض عناصر النخبة كما هو في تجربة أزراج، أن الأول مرتبط بنمط السلطة وزمن التعمير فيها ولو كان شرا على العباد والبلاد، والثاني ينطلق من الهوية والانتماء والإبداع، وربما يكون ذلك جوهر الخلاف بين السَّاسة والمثقفين في الجزائر.

كاتب وصحفي جزائري

9