التعريب في بلد فرنكفوني

الغريب أن كل من أخذتهم الحمية على اللغة الفرنسية لا يحركون ساكنا أمام التدمير الممنهج للغة العربية من خلال برامج تافهة تعتمد خطابا أقرب إلى المالطية. والأغرب سكوت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري (الهايكا) عن تلويث المشهد الإعلامي.
الخميس 2019/01/10
يدافعون على لغة المستعمر وكأنهم يتحدّرون من الغول والفرنجة (لوحة: محمد عمر خليل)

منذ أن أعربت رئيسة بلدية تونس العاصمة عن نيتها تعريب لافتات المحلات التجارية، والألسن لا تكف عن انتقادها، بدعوى أنها حركة شعبوية أخرى تضيفها هذه السيدة “النهضوية” إلى حركات سابقة، آخرها تدشين حاوية نفايات تونسية الصنع في سرّة المدينة أمام عدسات الكاميرا، وبحضور بعض أعضاء الحكومة، فضلا عن تأرجحها بين التحجب والسفور حسبما يقتضيه الظرف.

ولئن بدا المأخذ منطقيا في ظاهره، في بلد يقوم جانب من اقتصاده على السياحة الخارجية، فإن ما رافقه من تعاليق في المواقع الاجتماعية تجاوز التنديد بنية رئيسة البلدية، لينتقل إلى اللغة نفسها، أي العربية، وإظهارها في مظهر العاجز عن أداء المهمة إذا ما نابت حروفها عن الأحرف اللاتينية، فقد انبرى عدد كبير من مستعملي الفيسبوك، من بينهم كتاب وشعراء وصحافيون ومثقفون، يتندرون من اللافتات في صيغتها العربية المحتملة، لا سيما تلك التي تحتوي على أسماء علم أجنبية.

والغاية هي الحط من قيمتها، فلا نحسب أن المنتقدين يجهلون مقدار التشويه الذي يصيب لغتنا إذا قدر لها هي أيضا أن تكتب بلغة الآخر، فعبارة سِراج مثلا تعني لدى الفرنسيين دهان الأحذية، وإيمان هو غشاء البكارة، والقهوة تغدو عندهم كوّة، والصومعة منارة، والحمّام أمام، والقبة كبّة، والبرغل بلغور… ولا تسلم من التحريف حتى أسماء الأعلام فالقيروان كروان، والمهدية ماديا، والقصرين كاسرين، وغار الدماء غرديماو… وقس على ذلك ما لا يحصى عددا من التحريفات الناجمة إما عن غياب بعض حروف العربية عن الأبجدية الفرنسية، فالفرنسيون لا يفرقون مثلا بين حجّ وهجّ، ولا بين قلب وكلب، أو بين سحَر وسهَر، وكسْر وقصْر، وركبة ورقبة.

على سبيل الذكر لا الحصر؛ أو عن تباين الدلالة في هذه اللغة أو تلك، ما يحرّف الكلام عن مواضعه، ونعني بالتحريف هنا إعطاء العبارة تفسيرا مُغايرا لمقاصدها في لغتها الأصلية، وهذا وارد في شتى اللغات إذا ما وضعت لغة ما موضع مقارنة مع نظيراتها في الأمم الأخرى. ولا يمكن بحال أن يشكل ذلك التباين عامل تندر واستهزاء إلا لدى فئة من الناس لا يزالون يقدّمون لغة المستعمر القديم على لغة بني قومهم، ويدافعون عنها بشراسة وكأنهم يتحدّرون مباشرة من الغول والفرنجة.

الغريب أن كل من أخذتهم الحمية على اللغة الفرنسية لا يحركون ساكنا أمام التدمير الممنهج للغة العربية من خلال برامج تافهة تعتمد خطابا أقرب إلى المالطية. والأغرب سكوت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري (الهايكا) عن تلويث المشهد الإعلامي.

15