التعصب الرياضي وتداعياته على المنظومة الأخلاقية

من المفروض أن تكون مقابلة النهائي في أي مسابقة محلية أو إقليمية أو قارية أو عالمية، عرسا كرويا يحمل إلى جانب التسلية والترفيه فيه بعدا تثقيفيا يسمو بقيم التسامح والتحابب والتآخي من منطلق إنساني بحت.
الأحد 2018/11/18
كيف يمكن تنقية الأجواء في الملاعب

في كل مرة نكتشف أن الانخرام الأخلاقي تتصاعد وتيرته بشكل مفزع، فبعد جرائم القتل والاغتصاب والتحيّل الشنيعة والتي يقف العقل عندها عاجزا عن الفهم والإدراك، تطالعنا فصول أخرى من انتشار هذه الظاهرة لا تقل بشاعة.

الصادم فعلا أن تتحوّل كرة القدم من لعبة مسلية ذات بعد تثقيفي وحضاري وأداة من أدوات التلاقح الحضاري والانصهار الإيجابي بين الأمم والشعوب إلى مدعاة للكراهية والتلاسن المقيت بألفاظ نابية من التجريح والشتم.

من المفروض أن تكون مقابلة النهائي في أي مسابقة محلية أو إقليمية أو قارية أو عالمية، عرسا كرويا يحمل إلى جانب التسلية والترفيه فيه بعدا تثقيفيا يسمو بقيم التسامح والتحابب والتآخي من منطلق إنساني بحت، لا دخل للحسابات السياسية أو الفكرية أو العقائدية أو الأيديولوجية فيه. ولكن للأسف الشديد أضحت هذه اللقاءات الرياضية مناسبات لبث الحقد والضغينة والشتم والتجريح من خلال توظيف ذلك بطريقة متعصبة لفريق أو شعب أو أمة أو سياسة أو أيديولوجيا.

نتذكّر جيدا ما حدث في لقاء جمع منتخبي مصر والجزائر وما انجرّ عن ذلك من تشنج وصل إلى حدّ فتور العلاقات بين البلدين، كما نستحضر مقابلة النهائي لكأس رابطة الأبطال الأفريقية التي أقيم الذهاب في مصر في الـ2 من نوفمبر والإياب في تونس في الـ9 من نوفمبر الجاري. هاتان المقابلتان شهدتا قبلهما وبعدهما مشاحنات كبيرة واتهامات من الجانبين بالتأثير على الحكام.

ليس الإشكال في الوله بفريق ما وتشجيعه باستمرار والفرح بنجاحاته والحزن لكبواته، ولكن الإشكال يكمن في التعصب المفرط الذي يقود إلى العنف اللفظي والمادي أحيانا. ونلاحظ أن للأسر دورا جوهريا في الموضوع بما أن الآباء المتعصبين خاصة لنواديهم يؤثرون على أطفالهم ويربونهم بوعي على التعصب لهذا الفريق أو ذاك، وكم من زوجة اشتكت، خفية وعلنا، من تعصب زوجها واستخفافه بأحوال أسرته لا لشيء إلا ليتفرج على مقابلة يخوضها فريقه المفضل مهما كانت قيمتها.

فكيف لا يكون أطفاله أشدّ منه تعصبا؟ وكيف نلومهم على تعصّبهم إذا كان ذلك من ضمن المسار التربوي الذي تلقوه في عائلاتهم وعلى يد آبائهم وأمهاتهم؟

ما أذكى بالتأكيد هذا الصراع المحموم وسائل التواصل الاجتماعي التي سهّلت انتشار التلاسن الفيسبوكي والذي يتطور في تصاعد سريع ليمسّ بجوهر النقاش والجدال والحوار المبني على الاحترام المتبادل رغم اختلاف الرؤى والميولات.

تدخل جهات سياسية على خط المناكفة لاستثمار الزخم الجماهيري للعبة كرة القدم قد تكون لتسجيل مواقف سياسية من طرف ما، كما دار على صفحات الفيسبوك أنه حدث في ملعب رادس بتونس في نهائي البطولة الأفريقية برفع صورة محمد مرسي في تعبير عن تأييد حركة الإخوان المسلمين في مصر ورفض ما يسمونه بـ”انقلاب السيسي”، ومن التعليقات في هذا المجال “انتصرت الثورة على الانقلاب”.

الأمر لا يتعدى مقابلة كرة قدم تدوم تسعين دقيقة وتدخل طي التاريخ، ولذلك فالتوظيف السياسي لمثل هذه المقابلات لا يعدو كونه انتهازية سياسية تسعى للتحشيد وربما زرع الفتنة بين أبناء الشعب الواحد أو بين الشعوب الشقيقة والصديقة.

عملية التجييش والتحشيد التي تسبق المقابلات يتولد عنها نشوب عنف إما بين مناصري الفريقين فيتبادلون الشتائم والسباب ثم الرشق بالقوارير والمواد الصلبة وإما الاشتباك بالأيدي ما يفرز فوضى عارمة، وقد تحدث المشاحنات بين أنصار الفريق الواحد، فيتدخل رجال الأمن والشرطة وقد يضطرون لتفريق الجماهير باستعمال العنف أو يسلط عليهم العنف من طرف الجماهير. فيقع توقيف البعض من الجماهير وتقلق عائلاتهم وتعيش مرحلة من التشنج والانتظار وقد يتطور الأمر ليصبح قضايا عدلية منشورة في المحاكم.

من المفروض أن لعبة كرة القدم أو أي رياضة أخرى، جسدية كانت أو فكرية، مظهر ثقافي يضطلع بمهام ترفيهية وتثقيفية صلب العائلة والمجتمع، ولكن -بفعل التعصب- يقع الانحراف عن هذا الهدف السامي فتنحرف بذلك المنظومة الأخلاقية برمتها، فيصبح من الصعب على من لم يتعوّد سماع الألفاظ النابية والسلوكيات الشاذة والعنف أن يسمح لنفسه أو لأحد أفراد عائلته بالذهاب إلى الملاعب والتمتع بمشاهدة مقابلات في كرة القدم. الغريب أنني لم أستطع أن أكمل مشاهدة النهائي بين الأهلي المصري والترجي التونسي في المقهى وليس في الملعب لما بدر من بعض الشبان من صياح وكلام خارج عن النطاق وسب وشتم حتى وصل الأمر إلى سب الجلالة.

السؤال المطروح وبإلحاح: كيف يمكن تنقية الأجواء في الملاعب وعلى صفحات وسائل التواصل الاجتماعي لنبذ التعصب الذي يقود إلى أمر في غاية الخطورة؛ وهو العنف اللفظي الذي انتشر في كل الأوساط الشبابية بمن فيهم بعض الفتيات، مع التنسيب طبعا للظاهرة.

لا بدّ حسب اعتقادنا من مجهود وطني عام وشامل يمتدّ من المدارس إلى الثانويات إلى الجامعات إلى دور الثقافة والشباب إلى المؤسسات الإعلامية والفنية، لزرع ثقافة الاختلاف وثقافة التعايش السلمي وثقافة احترام الآخر، مع الابتعاد عن التوظيف السياسي الرخيص لهذه المناسبات.

21