التعقيدات السياسية تبقي السراج إلى ما بعد أكتوبر

ثمة محددات رئيسية تجعل من فرص رحيل فايز السراج في الموعد المحدد قليلة نسبيا، لتأثيرها المباشر على الحل السياسي.
الأربعاء 2020/10/14
إعلان السراج يربك الحسابات التركية

القاهرة - يبدو أن ربط رئيس حكومة الوفاق في طرابلس فايز السراج بين عزمه التخلي عن منصبه قبل نهاية أكتوبر الجاري وبين تشكيل سلطة جديدة، كان حصيفا. فالارتباط الشرطي يصعب تحقّقه خلال الأيام المقبلة، لأن انطلاق الحوار السياسي الشامل في تونس، برعاية الأمم المتحدة، يبدأ رسميا مطلع نوفمبر المقبل، وقد يستغرق التوصل إلى مخرجات تتضمن آليات تشكيل السلطة بعض الوقت.

وتعتقد دوائر سياسية ليبية أن السراج كان واعيا في ربطه، وراهن على التشابكات التي تلفّ الأزمة ليصبح استمراره أمرا واقعا، حيث يحتاج تفكيك العقد المزيد من الوقت لفك شفراتها، بعد أن اتخذ خطوته تحت وابل من الضغوط الدولية باعتباره أضحى جزءا من المشكلة وليس الحل، وجاء نقل المنتدى السياسي من جنيف إلى تونس كأولى علامات الارتباك والتأخير.

ومنذ إعلانه عن الخطوة منتصف سبتمبر الماضي، يبدو الرجل قليل الظهور والتفاعل، وأخذ المجلس الأعلى للدولة (الاستشاري) يستحوذ على الكثير من المفاتيح السياسية في الحوارات، التي جرت في بوزنيقة بالمغرب، وفي القاهرة، كأن السراج وطاقم حكومته يطويان حقائبهما، باستثناءات قليلة، حيث أدلى وزيرا الداخلية والدفاع بتصريحات متباينة، لا تمثل في جوهرها خروجا فجّا عن الخط العام لانتهاء مهمة السراج وأعوانه.

وحاول الرجل بطرق عدة الاحتفاظ بمكانته على رأس السلطة التنفيذية، واتخذ الكثير من الحيل والمناورات، التي تصَوّر أنها ستبقيه فترة أخرى، وقدم تنازلات لجهات عديدة، لكن قرار رحيله بدا حاسما مع قيام الولايات المتحدة بالتدخل بجدية في الأزمة، ما جعلها تمهد الطريق أمام طبقة سياسية، وربما عسكرية جديدة.

وأدى انطلاق حوارات ليبية – ليبية في أماكن متفرقة ولم يظهر في صدارتها أو حتى في خلفياتها السراج إلى تكريس فكرة انتهاء مهمته بكل ما تحمله من مرارات، وآثر الانصراف بهدوء في محاولة لتجنب تعرضه لمحاسبات قانونية، وتحميله مسؤولية الكثير من التجاوزات المتعلقة بجرائم فساد وانتهاكات.

وأربك إعلان السراج المفاجئ حسابات تركيا، لأنها راهنت على بقائه لفترة أطول، بعد أن جنت من ورائه مكاسب اقتصادية وعسكرية، وتأكدت أن رحيله إشارة دولية إلى خفض مستوى طموحاتها، وعليها إعادة ترتيب أوراقها في غيابه، وفهمت المعاني التي تنطوي عليها اللقاءات التي تتم بين قوى ليبية في دول مجاورة على أن قبضتها سترتخي خلال الفترة القادمة.

وحققت المناقشات الليبية، السياسية والعسكرية والاقتصادية، وأخيرا الدستورية، تقدما في القضايا التي تناولتها، على أمل استكمال ما تبقى من خلافات على المائدة التونسية، المنوط بها بلورة رؤية نهائية لتمهيد الطريق أمام تدشين سلطة تنفيذية على أسس تراعي أخطاء المرحلة السابقة.

إذا أصرّت الأمم المتحدة على نجاح منتدى تونس بمن حضر من القوى الليبية، يمكن أن تعيد تكرار مشهد الصخيرات، بالحصول على اتفاق مهترئ ويصعب تنفيذ بنوده كاملة

وتولي صياغة وثيقة دستورية وإجراء انتخابات عامة، وهي عملية غاية في الصعوبة، حيث أطلقت بعض القوى الليبية بالوناتها السياسية لعرقلة مسار تونس، وهي نتيجة ستخدم حتما السراج، وتحوله من أحد أسباب استفحال الأزمة إلى الرجل الضرورة. وهنا مكمن آخر للخطورة.

وتشير الملامح العامة إلى رغبة بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا في التوصل إلى اتفاقات عاجلة ومرضية، وتتحرك وهي مسنودة من قوى إقليمية ودولية، باتت مواقفها أقل تناقضا في الظاهر، وتقف قوى ليبية محلية في صف البعثة الأممية، لكن هناك فجوات يمكن أن تعطّل المسيرة وتجعل من عملية تشكيل السلطة مسألة بعيدة، بالتالي يُمنح السراج فرصة للبقاء في منصبه بعد نهاية أكتوبر.

ودعك من الحوار المنتظر في تونس وما يكتنفه من غموض في الأجواء والحاضرين والفاعلين، والقدرة على الخروج بنتائج توافقية قابلة للتطبيع، وأنظر إلى خمسة من المحددات الرئيسية، تجعل من فرص رحيل السراج في الموعد المحدد قليلة نسبيا، وأهميتها تكمن في تأثيرها المباشر على الحل السياسي المنتظر.

أولا، نقل مقر السلطة الجديدة إلى سرت، وهي زاوية لا تزال غير مكتملة، لأنها مرتبطة بتشكيل منطقة آمنة أو عازلة، ويدور حولها خلاف بشأن الجهة أو الجهات التي تضمن السيطرة على الأمن فيها، والمسافات المقدرة لابتعاد القوات المتخاصمة، التابعة لحكومة الوفاق الحالية، وتلك التابعة للجيش الوطني الليبي.

والثاني، وضع قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر في المنظومة الجديدة لا يزال مرتبكا، فهناك قوى تطالب بخروجه من المشهد تماما، باعتباره المعادل الموضوعي لخروج السراج، طالما أن هناك صيغة جديدة للحكم، ما يمثل صعوبة بالغة، فقوات حفتر تتحكم في فتح وغلق المنشآت النفطية، التي تعد من الزوايا المهمة في المقاربة الأميركية الراهنة، والرجل يمتلك شبكة علاقات إقليمية ودولية تحافظ على محورية دوره في أي معادلة، وحسم دوره بشكل واضح قد يؤجل تشكيل السلطة الجديدة.

والثالث، وجود التفافات مختلفة حول قضية المرتزقة، فغالبية الحوارات التي تمت لم تضع علاجا لها، ويتّسم كلام بعض القوى الدولية بالعمومية، أو التركيز على مرتزقة “فاغنر” دون مرتزقة تركيا، لأن العناصر التي سحبت من ليبيا إلى أذربيجان دليل كاف على تصفية المرتزقة، ولا توحي بوجود إرادة قوية على غلق ملف جميع الميليشيات، وكل ما رشح يعبر عن تحايلات أمنية قد تمنح السراح فرصة للاستمرار في السلطة.

أما الرابع، وهو عدم ارتياح بعض القوى الإقليمية والدولية أن تكون تونس المنصة التي يخرج منها الحل السياسي لجغرافيتها في مجال الإسلام السياسي، وبافتراض أن الاجتماعات ستلتئم وتنتج تسوية معينة فمهمة تنفيذها قد تصبح شائكة، وظهرت إرهاصات للحديث عن مبادرة فرنسية – مصرية، تنعكس روافدها على فكرة تشكيل سلطة جديدة في أقرب وقت.

أما المحدد الخامس، فهو تصاعد الكلام حول دور جماعة الإخوان في السلطة الجديدة، وتقنين أوضاعها دستوريا بما يفيدها، لن يمر بسهولة على القوى المناوئة لها، ويفتح جراحا تفضي إلى تأجيل تشكيل السلطة التنفيذية، ويبدو بقاء السراج خيارا عمليا.

وفي ظل هذه الاستنتاجات سيصبح تشكيل السلطة التنفيذية صعبا، وإذا أصرّت الأمم المتحدة على نجاح منتدى تونس بمن حضر من القوى الليبية، يمكن أن تعيد تكرار مشهد الصخيرات، بالحصول على اتفاق مهترئ ويصعب تنفيذ بنوده كاملة، وتدور الأزمة في حلقات تقود إلى تغيير في الأشخاص دون المضامين، ويضطر قطاع من المواطنين إلى الترحّم على دور السراج، رغم كل ما ارتكبه من أخطاء جسيمة.

7