التعليق الرياضي العربي.. لا الحياد إيجابي ولا الانحياز سلبي

الثلاثاء 2016/08/16
مهنة تبحث عن الحياد

القنوات الرياضية المتخصصة صارت تذكر اسم المعلّق على قائمات مواعيد برامجها والمباريات التي سوف تنقلها، فتمنحك بذلك أكثر من خيار، وأكثر من نكهة في التعليق على اللعبة الواحدة.

لا شك أن التعليق هو أهم ركيزة في الإعلام الرياضي، وذلك لفائدته في إيصال المعلومة السريعة، ووصف الأحداث الرياضية ببساطة ومتعة، وبصورة مفهومة وواضحة من قبل الجماهير الرياضية التي تتابع وتتفاعل من خلال جهازي التلفزيون أو الراديو.

ويعدّ التعليق الرياضي واحدا من أهم أنماط الصحافة الرياضية الحديثة، وأقربها إلى المُتلقي، وتختلف أنواع وأساليب التعليق من بلد إلى آخر، حتى أصبحت له مدارس وأتباع وجمهور، فكأنما المباريات قد انتقلت من أرضيات الملاعب إلى غرف المعلّقين، وهم مدججون بميكروفوناتهم وسمّاعاتهم وصرخاتهم، والتي غالبا ما تركّز عليها كاميرات التصوير، فتزيد للأجواء سخونة وتعطي للفرجة نكهة آسرة.

ويتفق المتخصصون على أنّ هناك ثلاثة أشكال أساسية ومختلفة تقريبا للتعليق وهي: التعليق عبر التلفزيون، التعليق عبر الراديو، والتعليق الداخلي (في الملعب أو القاعة الرياضية وغيرها).

ويوجد التعليق الفردي والتعليق الثنائي، فالأول هو ذاك الذي تعتمده البعض من البلدان والمحطات التلفزيونية والإذاعية، حيث يتولى شخص واحد التعليق على مباريات لكرة القدم أو لأي حدث رياضي آخر. أمّا التعليق الثنائي فيكون من قبل معلقين اثنين، وذلك لقتل الملل، ومساعدة المعلق الثاني في التحضير الجيد للمعلومة، وإراحة الحبال الصوتية وإعادة التركيز، والانتباه أكثر إلى أحداث المباريات.

وعادة ما يحاول المعلقون إبداء آرائهم وكأن المباراة تسير في مكان مغلق وغير منقولة إلى الجمهور، ويسعون إلى إشعار المتلقي بأنهم قريبون منه. وهذا النوع من التعليق يشدّ انتباه المشاهد، ويدعوه إلى التفاعل معه، وبالأخص إذا ما عرفنا أن طرق وأساليب التعليق المختلفة تهدف إلى إضفاء المتعة على الحدث الرياضي.

مدارس التعليق المعروفة في العالم العربي تعتمد بالدرجة الأساسية على اللهجة (العامية) كالمصرية، الشامية، العراقية والخليجية والتونسية. ويعتمد البعض على اللغة العربية الفصحى، التي صارت تشكو من قلة المعلقين المستخدمين لها، وذلك بسبب صعوبة التركيز واستخدام المفردات السليمة، لذلك يعتمد المعلق على لهجته وأسلوبه واستخدام مفرداته الخاصة عند نقل المباراة لإظهار الجمالية والإثارة والمتعة.

لا غنى عن النزاهة والحياد والموضوعية، في تطوير المسألة الرياضية في العالم العربي، ولا يمكن التخفي خلف ذرائع واهية كمشروعية الحماسة الرياضية

التقليد في السنوات الأخيرة بدأ يظهر في البعض من المحطات الإذاعية والتلفزيونية من خلال نبرة الصوت والأسلوب، واستخدام نفس المفردات اللغوية. وثمة تعليق ينحاز نوعا ما إلى بلد المعلق أو هويته، وآخر يحاول فيه المعلق المراوحة بأن يمتدح أحد الفريقين أو لاعبا أو مدربا بعينه، ثم ينتقل للإشادة بالفريق المنافس، في محاولة منه لإبراز حياديته لجماهير الفريقين.

أما التعليق الثالث فهو التعليق المحايد، وهو الأقرب للمشاهد، ولكنه أقل تركيزا وشدّا للمتلقي، وقد يصحبه في بعض الأحيان نوع من الملل.

التعليق الرياضي أصبح علما يعتمد على أسس عديدة في تطويره، وعلى المعلق التركيز على قوة الصوت وتغيير نسقه وإيقاعه أثناء الهجمات وخاصة عند تهديد المرمى من أحد المهاجمين، ثم تخفيفه في مواضع أخرى من خلال توزيع الجهد، وذلك لإبعاد الملل، وقد شبهه أحد المخرجين بـ“المونودراما الإذاعية المعتمدة على الارتجال”.

وينصح المعلق الرياضي بعدم التكرار والتوقف الطويل، وتمجيد الشخصيات السياسية، كما لا يمكن له أن يسهو عن الاعتناء بالمعلومة الرياضية، وبالأخص الحديثة، ومحاولة إلقائها بنوع من الدهشة والانسيابية دون إقحام فجّ، وذلك بقصد جلب المتعة للمشاهد، وعلى المعلق تجنب تقليد مدارس التعليق الأخرى، إذ يجب عليه أن يعتمد بشكل كامل على لهجته وأسلوبه ومفرداته، كي يعطي بصمة خاصة وحضورا محببا لشخصيته.

بعض المعلقين يختصون بمجال واحد أو بطولة واحدة، وذلك من خلال تركيزهم الكامل على هذه المسابقة أو تلك من خلال توفير المعلومات ومواكبتها ومتابعة كل ما يدور فيها. وهنالك عدد من المعلقين مارسوا لعبة او فعالية ما، ومن خلال إلمامهم بها ومحبتهم لها يتوجهون للتعليق عليها بشكل متقن ومبسط.

التعليق -كبقية المجالات الأخرى- يخضع للدورات التطويرية ومواكبة الإصدارات الحديثة، والبحث المستمر عن كل ما هو جديد لتطوير وصقل هذه المهارة.

التعليق الرياضي في العالم العربي -وحتى في العالم الغربي- مازال حكرا على الذكور، ماعدا بعض التجارب الخجولة هنا وهناك، وفي هذا الصدد، يطالب المعلق الرياضي التونسي عصام الشوالي بإتاحة الفرصة أمام الفتاة العربية لدخول ميدان التعليق الرياضي في مباريات كرة القدم، الذي يخلو من العنصر النسائي.

المعلقون متفرجون ولاعبون ومدربون وحتى متخاصمون خلف الميكروفونات

الرياضة لا تقوم إلا على الإثارة والجنون

المعلّق الرياضي الناجح هو “المعلّق المصروع”، بهذه العبارة الحاسمة، أبدى الشاعر السوري لقمان ديركي، رأيه في التعليق الرياضي، وأضاف الشاعر الشغوف بكرة القدم وفريق برشلونة إلى حد الهوس “كثيرا ما أسكت صوت التلفزيون كي لا أفسد متعة الفرجة لدي، إذا كان المعلّق من ذاك النوع السمج، والذي يكتفي بالتوصيف الساذج وكأننا أمام جهاز راديو وليس جهاز تلفزيون”.

على المعلق قبل أن ينتظر تفاعل المشاهد أو المُتلقي، أن يتفاعل وأن يعيش أجواء المباراة والحدث، وأن يبتعد قدر الإمكان عن التصنع الذي يسبب النفور ومن ثم الفتور، خصوصا في عالم الرياضة الذي يتميز أصلا بالتلقائية والمرح ونبذ الحساسيات الشخصية، كما أنّ الانتصار لفريق دون آخر، مسألة جوهرية في المنافسات تأخذ منها الرياضة قيمتها ونكهتها، فما قيمة الرياضة دون ذاك الاصطفاف الذي لا بدّ منه، ومن غير ذاك التعصب البريء، “فحتى الأخطاء التحكيمية تصبح لها نكهتها في كرة القدم” يقول المحلل الرياضي الجزائري عزيز سعيدان.

الحماسة لا يخلقها الحياد السلبي، ولا ادّعاء الموضوعية، ومحاولة الوقوف على مسافة واحدة من الفريقين المتنافسين، وإلاّ يصبح الأمر أشبه بمهمة تحكيم مناظرة فكرية أو تنشيط مباريات ثقافية لتلاميذ المدارس.

المعلق الرياضي أصبح عنصرا أساسيا في نقل المباراة جنبا إلى جنب مع العناصر المهمة الأخرى، مثل الحكم واللاعبين والإخراج التلفزيوني، حيث لا تكتمل متعة المشاهدة دون وجود المعلق الرياضي. وتقول صحافية عربية فضلت عدم ذكر اسمها “الغريب أن المعلق التونسي الشهير عصام الشوالي، لم يظهر ولو مرة واحدة بمظهر المعلق الرياضي المحايد تماما، فكلنا أصبحنا نعرف ما هي الفرق أو المنتخبات أو أسماء اللاعبين التي يميل إليها عصام، وأغلبنا يتفق معه عليها”.

ويحفظ المتابعون لـ”المعلّق المتحمّس” بعبارات وطرائف وقفشات، تزيد من نجومية صاحبها، حتى وإن جانبت الحياد، وانزلقت نحو التحيّز كما هو الحال بالنسبة إلى المعلق المصري العتيق الكابتن محمود بكر، وجملته الشهيرة الخالدة كـ”عدالة السماء تنزل على ستاد باليرمو” وهي إشارة لاستحقاق المصريين في إحراز هدف التعادل أمام هولندا في مباراة كأس العالم 1990. وأيضا “عذرا للتأخر في نقل المباراة بسبب فاصل الإعلانات.. فالإعلانات هي التي تدفع رواتبنا”.

كما اشتهر بكر بعدة كلمات شهيرة مثل “حمادة صدقي قاعد ومقرفص” و”خمس سنين وقت بدل ضايع” والقناة التونسية “حنبعل” يقوم بنطقها “هاني بعل”، وعبارته الطريفة “اللي يروح محطة سيدي جابر ياخد باله.. لازم يعمل فترة إعداد قبلها عشان التذاكر بقت فوق وشغلانة، واللي وزنه تقيل ومعاه شنط ما يروحشي أحسن”.

المباريات الرياضية دون معلّق “حمش”، تقول زينة من سوريا “هي مثل الطبق الفاتر، وكل تعليق يدّعي الحياد هو مثل أطباق المستشفيات، قد تكون صحية، ولكن لا نكهة فيها”.

تحت عنوان “درس خفيف الظل في كيف تخلص لعملك” كتبت حنان كامل الشيخ في تحية لأحد المعلقين الشهيرين “يجب أن يدار مؤشر المحطة فورا على القناة الأخرى.. جربوا فلربما يكون هو! وبمجرد أن يظهر صوته المميز باللكنة التونسية الظريفة، يعم المكان تصفيق حاد وكأن نجما كبيرا دخل لتوّه المسرح ليؤدي أول مشاهده”.

وتضيف الكاتبة اللبنانية “لست بصدد مديح شخص لم أقابله ولو مرة في حياتي، بقدر ما أشعر به من احترام لإنسان يتفانى في خدمة وظيفته، وإثرائها بكل ما هو جديد على صعيد الأداء أو المعلومات أو حتى باقتباس الأمثال الشعبية والشعر العربي، وتجييره لنقل إحساسه بالحدث الكروي الذي يمرّ أمامه”.

المعلق الرياضي لا يصنع نتيجة المباريات، لكنه نبض الملعب وهمزة الوصل بينه وبين المنزل، وقد يكون سببا في أن تفقد بعض المباريات القوية بريقها، إذا كان المعلق دون المستوى المطلوب، وكان أداؤه باهتا حتى وإن تحلى بالحياد، فليس دائما خير الأمور الوسط.

ولسائل أن يسأل في هذا الصدد عمّا إذا كان الأمر سيتغير في وضع التعليق الرياضي بالعالم العربي إذا تولاّه الجنس الناعم، لما للمرأة من باع طويل، في كثرة التوصيف وسرعة الانحياز العاطفي؟

المعلق الحيادي لا يشعرك بثقل حضوره ولا يصادر رأيك

النزاهة تضمن الفرجة لمشجعي الفريقين

الاضطرار إلى إسكات صوت المعلّق الرياضي من جهاز التلفزيون، فعل يشترك فيه الطرفان، ولكن لغايتين مختلفتين، فالمنادون بالتعليق الهادئ الرصين، يقدمون على الفعل نفسه، وذلك لغاية التخلص من الصراخ الهستيري، على حدّ قولهم، لدى الكثير من المعلقين الذين باتوا يتنافسون في هذه الموضة، ظنا منهم أنهم يكسبون من وراء ذلك جمهورا ونجومية، تجعل القنوات الرياضية المتخصصة، تتهافت للتعاقد معهم وتوظيفهم.

المنادون بالحياد والموضوعية في التعليق الرياضي، يصفون حماسة بعض المذيعين بالثرثرة والتهريج والرعونة، فمن أهم علامات المعرفة والمهارة في نظرهم، هي البرودة والهدوء، وعدم “تصديع″ رأس المشاهد بالصراخ، حتى أصبح الأمر نوعا من الاستهتار بمدارك الناس وقدراتهم على الاستيعاب، وقال نجم كرة القدم التونسي السابق علي الكعبي، في معرض حديثه عن انزعاجه من صراخ أحد المعلقين “إن أمثاله من المعلقين، يشبهون أدلاّء سياحيين، يقدمون خدماتهم ويعرضونها على علماء آثار متخصصين في المتاحف”.

يقول الخبراء في فن التعليق الرياضي، يفترض في المعلق الجيد أن يحتفظ برأس باردة مع قلب دافئ، ويقدم أساليبه في توقيت مناسب، ويمنح مساحة للمتابع كي يرى المباريات بمتعة وأريحية، دون أن يغرقه بسيل من الكلام الذي لا يقول شيئا.

كما على المعلق الرياضي أن يسهم بثقافته الكروية في رفع ثقافة المتابع، من حيث التمييز بين أسماء النجوم وشرح طريقة اللعب وترتيب الفرق للمشاهدين، إضافة إلى صوته الجهوري وتحليله لمجريات اللعب، وليس من مهمات المعلق الاصطفاف مع فريق ضد آخر، أو القيام بدور المدرّب، وإعطاء التعليمات للاعبين من خلف زجاج غرفة التعليق التلفزيوني.

يقول الناقد الرياضي البحريني محمد لوري “معضلة التعليق الرياضي عندنا لن تحل إلا إذا سارعت هيئة الإذاعة والتلفزيون بتشكيل لجنة مؤهلة علميا لانتقاء المعلقين وفق شروط ومعايير علمية، لا وفق أمزجة وعلاقات شخصية، ولا وفق مجاملات واعتبارات خاصة ولا لمجرد سد الحاجة”.

يجمع المتخصصون في شأن التعليق الرياضي، على أنّ هذه المهنة التي تتطلب الموهبة والمهارة، لم تعد مجرد سرد كلامي، بل أصبحت إحدى الركائز الأساسية في العملية التطويرية للحركة الرياضية على الصعيدين التثقيفي والتشويقي.

ما قيمة الرياضة دون ذاك الاصطفاف الذي لا بد منه، ومن غير ذاك التعصب البريء، فحتى الأخطاء التحكيمية تصبح لها نكهتها في كرة القدم

لا غنى عن النزاهة والحياد والموضوعية، في تطوير المسألة الرياضية بالعالم العربي، ولا يمكن التخفي خلف ذرائع واهية كمشروعية الحماسة الرياضية التي تسمح بالانحياز الإيجابي، وفي هذا الصدد يقول علي محمد العامري وهو صحافي رياضي من الإمارات “أوجه كلامي هذا إلى جميع الإعلاميين والمسؤولين الرياضيين والحكام والمعلقين والمحللين الرياضيين، وإلى كل مواطن ومقيم يحمل الهم الرياضي، هو أن ينظر إلى الجميع بكلتا العينين، وأن يقسم اليمين بينه وبين نفسه، وأن يتجرد من أي انتماءات وعصبيات، متى كان أو سيكون في موقع المسؤولية” ويختم العامري حديثه بقوله “عندما تدب لدينا هذه النزاهة وهذا الحياد في النفوس، حتما ستتطور الرياضة في بلادنا”.

ازدياد عدد المعلقين مع تكاثر الفضائيات الرياضية المختصة، لا يمحو من ذاكرة العالم العربي، أسماء وصفت بالعملاقة في تاريخ التعليق الرياضي، وجمعت بين النكهة الخاصة، دون أن تغفل النزاهة والموضوعية، كشيخ المعلقين العراقيين مؤيد البدري، والذي يظهر أثناء تغطيته للفعاليات التي لا تخص بلده العراق، اعتماد أسلوبه الخاص والبارع، مع الحفاظ على النزاهة والحيادية، وجمالية وقوة أدائه وصوته، وسخّر كل ذلك في وصف المباريات في كرة القدم والفعاليات والألعاب الأخرى ومنها تعليقه الشهير مع المعلق الكويتي المعروف خالد الحربان أثناء نهائيات كأس العالم 1990.

فقد الكثير من المعلقين الرياضيين مصداقياتهم وخسروا احترام المشاهدين لهم بسبب سقوطهم في التحيّز الواضح والتعصّب المقيت، بل ومن هؤلاء من فقد وظيفته وتم استبعاده بسبب عدم النزاهة في نقل المباريات الرياضية، و”ما أدراك” ما المباريات الرياضية في العالم العربي، وما تمثله من ظلال تطال كل المجالات الاجتماعية والثقافية والسياسية، وتصل حتى إلى المخادع الزوجية.

12