التعليم التونسي.. نوستالجيا عصر الاستقلال

منذ استقلالها عن الاستعمار الفرنسي عام 1956 راهنت تونس على التعليم لقيادة مشروع وطني يهدف إلى تحديث المجتمع، لكن مع مرور الوقت تسبب الخمول في تراكم خيوط العنكبوت، المتمثلة في فشل الإدارة والتمييز الطبقي والتشدد الديني ضمن المناهج الدراسية، في خفوت أيّ أمل لإعادة إحياء قاطرة الحداثة التونسية التقليدية مرة أخرى.
الثلاثاء 2016/10/18
التركيز على الفرعيات وتجاهل الجوهر

تونس – مازالت تونس تراهن كثيرا على التعليم للتحديث الاجتماعي والارتقاء بمكونات المجتمع وسط جدل حول تقهقر المستوى العلمي العام، فيما تشدد وزارة التربية على أنها عازمة على إجراء إصلاحات هيكلية عميقة تعيد للتعليم أداءه وتحميه من تسلل الفكر الجهادي وتضع حدا للانقطاع المبكر عن الدراسة.

ووفق بيانات رسمية، يناهز عدد طلاب المدارس والمعاهد والجامعات نحو 3 ملايين طالب، وهو رقم يؤشر على مدى أهمية التعليم في بلد يراهن على الاستثمار في الموارد البشرية. لكن التعليم التونسي منذ اندلاع ثورة الياسمين قبل نحو ستة أعوام بات غارقا في المشكلات.

الرهان على التعليم

منذ استقلالها عن الاستعمار الفرنسي عام 1956 راهنت تونس على التعليم العصري والحديث لقيادة مشروع وطني يهدف إلى تحديث المجتمع من خلال إصدار قانون يوحّد منظومة التربية والتعليم بكامل البلاد، بعد أن كانت ممزقة بين تعليم ديني زيتوني (نسبة إلى جامع الزيتونة)، وتعليم فرنسي رسخه الاحتلال. وسمح القانون للتونسيين بتعليم أبنائهم مجانيا لمقاومة مختلف مظاهر التخلف.

وتمكنت الدولة الوطنية الجديدة من إرساء منظومة تعليمية وحّدت الأطر الفكرية في إطار رؤية وطنية عامة، وواجهت القوى التقليدية في الجهات والعائلات الأرستقراطية في المدن، والنعرات الجهوية، كما واجهت قوى تعادي تعليم المرأة وتحريرها.

وعلى امتداد نصف قرن مثل التعليم بالنسبة إلى التونسيين قاطرة التحديث الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ووسيلة وحيدة للارتقاء الاجتماعي، خصوصا بين أبناء العائلات المنتمية إلى الطبقتين المتوسطة والفقيرة.

وتشير إحصائيات رسمية إلى أن نحو 63 بالمئة من المعلمين والأطباء والمحامين والموظفين ينحدرون من أوساط اجتماعية متوسطة وفقيرة، نجحوا في تسلق سلم الارتقاء الاجتماعي منتهجين منظومة التعليم كجسر للانتقال من فئة اجتماعية إلى أخرى.

وتمكنت تونس من تحقيق مكاسب هامة بفضل انتهاج نظام تعليم عمومي إجباري ومجاني. وساهمت منظومة التعليم في بناء نخبة فكرية وسياسية علمانية شكلت دعما لنجاح الحراك السياسي ضد نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

سامي بن مراد: واقع التعليم الذي أهملته الدولة في تونس بات ينذر بالخطر

تقهقر التعليم

لكن مستوى الطلاب بدأ في التراجع وسط نواقيس خطر لا يزال يطلقها المعلمون والأساتذة والخبراء، خشية من مخاطر تداعيات تراجع أداء منظومة التعليم.

ويرجع متخصصون في علوم التربية التقهقر الذي يؤرق المجتمع التونسي إلى غياب إرادة سياسية حقيقية في مباشرة إصلاحات جوهرية علمية وتربوية، وغياب خطط تحسين الإطار العام للتعليم بما في ذلك الظروف المهنية وتحسين الأوضاع الاجتماعية للمدرسين. ويرى سامي بن مراد الأخصائي في علوم التربية أنه “لا يمكن فهم واقع التعليم التونسي الذي تراجع أداؤه إلا من خلال تشخيص علمي وإنجاز دراسة وطنية شاملة تمس المناهج وظروف المهنة وتحسن الأوضاع المهنية والاجتماعية للمعلمين والمدرسين”.

ويقول بن مراد إن “واقع التعليم في تونس بات ينذر بالخطر إن لم تسارع الدولة إلى حشد كل القوى المعنية لصياغة رؤية وطنية تعيد إلى المؤسسة التربوية والتعليمية أداءها ونجاعتها”.

وتؤكد إحصائيات رسمية أن عدد المنقطعين عن التعليم سنويا في تونس بات يناهز 120 ألف منقطع، وهو مؤشر على أن هناك خللا خطيرا في منظومة تلفظ الآلاف إلى متاهات الجماعات التكفيرية والجهادية، وإلى قوارب الهجرة غير الشرعية، بالإضافة إلى الشوارع حيث تفتك المخدرات الخفيفة بنحو 60 بالمئة من الشباب التونسي.

ويطالب رجال التعليم من كل المستويات السلطات بوضع ملف التعليم ضمن أولويات الحكومة، مشددين على أنه لا يمكن إنقاذ القطاع ما لم تتسلح بالجرأة وتطلق إصلاحات كبرى في إطار استشارة وطنية علمية.

تعليم للفقراء وآخر للأغنياء

إزاء استفحال ظاهرة الانقطاع المبكر عن الدراسة ظهرت في تونس معاهد ثانوية خاصة تشبه الملاجئ لانتشال أبناء الفقراء من الشوارع، إذ تحاول الطبقة الفقيرة إنقاذ أبنائها وبناتها من الفشل الاجتماعي.

غير أن هذا النوع من التعليم بدا هامشيا ومسكنا للإحباط. ويقول مراقبون إن المعاهد الخاصة هي تأجيل لفشل لاحق، حيث أنها لا تضمن لغالبية المنقطعين عن التعليم سوى المزيد من الفشل خاصة عند اجتياز امتحانات الباكالوريا. وفي ظل غياب إحصائيات دقيقة فإن الأخصائيين التربويين يقدرون نسبة النجاح في امتحانات الباكالوريا التي تسبق التحاق الطلاب بالجامعات لا تتجاوز 9 بالمئة في كل الاختصاصات.

وتبدو الظاهرة الأكثر خطورة التي استفحلت في منظومة التعليم خلال السنوات الماضية هي ظهور تعليم خاص يؤمه أبناء وبنات الفئات المترفة، فيما بدا التعليم العمومي الذي راهنت عليه دولة الاستقلال ملاذا وحيدا لأبناء وبنات الفئات المتوسطة والفقيرة.

فنون الإيغال في التشدد

وتنتشر في الأحياء الراقية خاصة في تونس العاصمة والمدن الكبرى مدارس ابتدائية ومعاهد ثانوية لا تطأها إلا أقدام المنحدرين من المجتمع الثري، نظرا لكونها تتطلب تكلفة مالية مرتفعة تتراوح بين 5 آلاف و10 آلاف دينار سنويا، (2500 و5 آلاف دولار).

ويرى سامي بن مراد أن “ظاهرة التعليم الخاص تؤشر على منظومة التعليم التي كانت خيطا مشتركا من مكتسبات التونسيين بغض النظر عن خلفياتهم الاجتماعية تتجه نحو التفكك لتقسم القطاع إلى شطرين لا يؤشران إلا على تراجع المنظومة ككل”.

وبالموازاة مع التعليم الخاص الذي يحتكره الأثرياء يكافح التعليم العمومي من أجل المحافظة على رسالته التربوية والتعليمية بعيدا عن أيّ غاية تجارية خلافا للتعليم الخاص، غير أن كفاحه لم يمنعه من التحول إلى حاضنة لأبناء الفئات الوسطى والفقيرة لتتعمق أزمة القطاع.

وفيما تطغى الصيغة التجارية على المدارس والمعاهد والجامعات الخاصة، سواء في ما يتعلق بتكلفة الدراسة أو بأجور المدرسين، تبدو المؤسسات التربوية والتعليمية العمومية الأكثر جدية في احترام الرسالة التعليمية والحضارية على الرغم من الظروف المهنية الصعبة للمدرسين حيث لا يتجاوز المرتب الشهري للمدرس في التعليم الثانوي 1200 دينار (600 دولار).

ومما يعمق أزمة المعلمين في توصيل رسالتهم التربوية هو اكتظاظ الفصول، إذ يتجاوز عدد الطلاب في الفصل الواحد الـ30 طالبا. ويشدد بن مراد على أن أحد أسباب تقهقر التعليم في تونس هي الأوضاع المهنية للمدرسين سواء من حيث دورات التكوين المستمر أو التأجير. وقال إنه “من غير المقبول أن يتقاضى المعلم أجرا لا يناسب قيمة عمله ولا رسالته الإنسانية”.

إصلاحات في الأفق

وتحت ضغط المخاوف من انهيار المنظومة التعليمية تقول وزارة التربية إنها عازمة على مباشرة إصلاحات هيكلية كبرى من شأنها أن تعيد ثقة التونسيين في التعليم العمومي، غير أنها لم تفصح بعد عن تفاصيل الإصلاحات عدا عدد من الإجراءات التي تتعلق بالتخفيف من أزمة القطاع.

وفيما تحاول الوزارة طمأنة أولياء الأمور والمدرسين على أن إنقاذ التعليم هو أولوية، وعلى أنه الضامن الوحيد للتحديث الاجتماعي وفتح الآفاق أمام الطلاب، يشدد المدرسون والخبراء على أن الأمر لا يتعلق بإجراءات متناثرة وترقيعية وإنما يستوجب مراجعة شاملة للمنظومة بكاملها بمشاركة أهل الاختصاص الذين هم أدرى بمعضلات تقهقر التعليم.

ويطالب المدرسون والخبراء بالكف عن تهميش رجال التعليم وبإشراكهم في أي إصلاحات، مشددين على ضرورة توفر إرادة سياسية قوية قادرة على مباشرة ثورة إصلاحية تضع حدا لانهيار القطاع الذي يعدّ أحد أهم مكاسب التونسيين ورهانهم على الحداثة.

وبرأي سامي بن مراد فإن “تونس مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى وضع ملف التعليم ضمن أولوياتها، خاصة وأن تداعيات التقهقر أخطر مما يتصور البعض، منها استفحال الفكر الجهادي وهشاشة الثقافة المدنية ونقص الكوادر الإدارية القادرة على تسيير مؤسسات الدولة مستقبلا”. وعلى الرغم من الأزمة التي باتت تمثل خطرا على التعليم مازالت تونس تتحسس خطة وطنية تقول إنها تمتد خلال السنوات القادمة.

سلبية إزاء التشدد

التشدد من بين أخطر الظواهر التي تهيمن على نظام التعليم في تونس، إذ كشفت الأجهزة الأمنية خلال السنوات الخمس الماضية أن الجهاديين التونسيين اخترقوا أسوار المعاهد والجامعات ليجندوا الطلاب، مركزين بالخصوص على الاختصاصات العلمية مثل الكيمياء والفيزياء، التي يدربون خريجيها على صناعة القنابل والمتفجرات، والطب لمداواة الجرحى وغيرها من الاختصاصات.

الدولة الوطنية الجديدة تمكنت من إرساء منظومة تعليمية وحّدت الأطر الفكرية في إطار رؤية وطنية عامة، وواجهت القوى التقليدية في الجهات والعائلات الأرستقراطية في المدن، والنعرات الجهوية، كما واجهت قوى تعادي تعليم المرأة وتحريرها

وتسلل الفكر المتشدد أيضا إلى المدارس الابتدائية من خلال مفردات دينية شائعة مثل “عذاب القبر” و”الجهاد” و”ظهور المسيح الدجال”، ما دفع بمتخصصين كثر إلى إطلاق دعوة لتجديد الخطاب الديني في المناهج الدراسية.

وعلى الرغم من خطورة الظاهرة، لم تتوصل تونس بعد إلى صياغة خطة من شأنها أن تكافح الفكر المتشدد الذي دفع بالمئات من الطلاب إلى الانقطاع عن التعليم والالتحاق إما بمقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في كل من سوريا والعراق وليبيا، وإما بالخلايا الجهادية المنتشرة في سلاسل الجبال والجهات الداخلية والأحياء الشعبية في تونس.

ويطالب أولياء الأمور والمعلمون بضرورة تحصين الطلاب من الفكر المتشدد والجهادي من خلال خطة تقوم أساسا على وضع مناهج تعزز الثقافة المدنية، وتقدم صورة معتدلة ووسطية ومنفتحة عن الإسلام.

وتقول وزارة التربية التونسية إنها تحاول بذل جهود عدة بهدف وضع حد لاستقطاب الجهاديين للطلاب، كما تقول أيضا إنها تسعى إلى تطعيم مناهج التعليم برؤية مدنية من خلال تدريس اختصاصات محددة مثل مفهوم الدولة والدستور وحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وهو ما يمثل حصنا ضد قابلية انتشار أي شكل من أشكال التشدد الفكري.

ويقول سامي بن مراد “واقع التعليم في تونس غارق في أزمة هيكلية تمتد جذورها إلى الأزمة العامة التي تشهدها البلاد”، مضيفا أن “الآفاق مرتبطة شديد الارتباط بتوفر إرادة سياسية مماثلة لإرادة دولة الاستقلال تتسلح بالجرأة لمراجعة نظام التعليم بكامله”.

17