التعليم الجهادي ودمار الإنسان

الثلاثاء 2015/10/27

التعليم هو المحرك الأساسي في عملية تطور ونماء المجتمعات، وإطلاق الطاقات الإبداعية لأفراد المجتمع، وتشكيل بذور المعرفة الإنسانية، حتى تتمكن الشعوب من السير نحو المستقبل، وبناء دول حضارية متقدمة.

أدى اتساع نطاق الصراعات الداخلية في عدد من الدول العربية إلى انهيار تام في أركان العملية التعليمية، وبلغ عدد الأطفال الذين منعوا من تلقي التعليم في سوريا والعراق واليمن وليبيا وجنوب السودان ما لا يقل عن 13.4 مليون طفل، بما يعادل نسبة 40 بالمئة من إجمالي عدد الأطفال في سن الدراسة في هذه الدول، حسب تقرير منظمة الأمم المتحدة للأمومة والطفولة الصادر في 3/10/2015 بعنوان ’’التعليم تحت النار’’، هذه النسبة تشكل كارثة مستقبلية لا يمكن تجاهلها.

بدأت مأساة التعليم، حصرا في سوريا، منذ اليوم الأول في الثورة عندما خط أطفال درعا بأصابعهم العبارات الثورية على جدران المدارس، لتكمل المأساة طريقها عبر تدمير المنشآت التعليمية بالكامل، أو تحويل بعضها إلى مقرات للنزوح الداخلي، وبعضها مستشفيات ميدانية من جانب الميليشيات المسلحة، ومراكز اعتقال ومقرات أمنية سواء للنظام أو للفصائل المسلحة، وما رافقها من تسرب عدد كبير من الأطفال وانخراطهم في الصراعات الداخلية، ومن ثم رحلات التهجير والنزوح واللجوء وانعدام الخدمات التعليمية في مخيمات النازحين نسبيا.

ارتسمت ملامح التدمير لسوريا عبر تشتت العملية التعليمية وتوزعها حسب مناطق النفوذ، ففي المناطق الكردية تم تغيير لغة التعليم الرسمية في المدارس إلى اللغة الكردية، مع إلغاء كافة المقررات المتعلقة باللغة العربية، أما مناطق الصراع فقد شهدت حالة استقطاب كبيرة للأطفال المتسربين من التعليم من جانب التنظيمات الإرهابية التي تقوم بتدريبهم على استخدام الأسلحة أو تنفيذ عمليات انتحارية، بالإضافة إلى قيام التنظيمات الإرهابية والميليشيات المسلحة بإنشاء مؤسسات تعليمية بديلة، وهو ما يشكل خطرا يفوق الكوارث التدميرية للحرب.

شكلت مسألة التعليم مفصلا هاما لدى تنظيم داعش، فعمل التنظيم، في مناطق سيطرته، على استحداث نظام تعليمي يتوافق ورؤيته الدينية للدولة، وكانت مدينة الرقة هي أولى المحافظات التي اتخذها التنظيم مقرا له، ليعلن في نهاية العام 2014 عن تشكيل “مديريّة المناهج في الدولة الإسلاميّة” وتعيين ديوان التعليم والمناهج بشكل رسمي. عمل التنظيم على شطب جملة الجمهوريّة العربية السورية واستبدالها بالدولة الإسلاميّة، وإلغاء مواد أساسية من المنهاج السوري (كمادة الفيزياء والعلوم والتاريخ والجغرافية والفلسفة والرسم والموسيقى… وإزالة أي مثال في الرياضيّات يدّل على الربا، وطمس أي إشارة تدل على المواطنة الديمقراطيّة والانتخاب) وذلك لتغيير المفاهيم المتبعة سابقا والتي تزرع “الشرك والقوميات الفاسدة التي لا صلة لها بالشريعة الإسلامية” حسب القائمين على المناهج الدراسية، واستبداله بالمنهاج المتوافق مع فكر التنظيم، ومقرراته الشرعية لكافة المراحل الدراسية التي لا تمت بصلة للمواد العلمية.

كما أسس التنظيم مدارس لتعليم اللغة الإنكليزية لأطفال مقاتليه الأجانب، وفرض الفصل بين الذكور والإناث. تم استقطاب المدرسين وإخضاعهم مدة أسبوع لدورة شرعيّة (عقيدة، فقه، تجويد، ثقافة إسلامية) ورغم عدم صلتها بالتربية أو التعليم لكنها تجعل المدرس صالحا للتعليم، وفقا للمنهاج الإسلامي الجديد التابع لتنظيم داعش طبقا للشريعة الإسلاميّة. هذه اللبنة الأولى التي بدأها داعش لاستحداث مقومات إنشاء دولة إسلامية تؤسس لها مناهج تسعى لنشر الجهل وقتل العلم والثقافة.

شكلت خطوة داعش بداية لانتشار معسكرات التعليم والتدريب الجهادي، فأسست جبهة النصرة “معسكر أشبال الأقصى لإعداد المجاهدين’’ بهدف نشر أفكار التنظيم بين الأطفال، وانتقاء الكوادر للقيام بعمليات عسكرية، كذلك “الحزب الإسلامي التركستاني’’، و“جند الشام’’، وقوات “الحشد الشعبي’’ الشيعية، امتلكت معسكرات تقوم بالدمج بين التعليم العقائدي المكثف، والتدريب العسكري المتواصل، بهدف إعداد جيل جديد من الكوادر المسلحة، التي تتبنى الأفكار التكفيرية القاتلة ورفض الآخر وتعمل على هدم المستقبل.

في الوقت الذي يسعى العالم لإدراج معايير عالمية تنبثق عنها معايير وطنيّة للمناهج، وأخرى لجودة التّعليم وغيرها لاستخدام التكنولوجيا المتقدّمة في قاعة الدراسة، يعيش السوريون عواصف جهل وتجهيل كارثي ترتب لصراعات مستقبلية مريرة إذ تهدم أساس البناء وهو الإنسان.

كاتبة ورسامة سورية
17