التعليم الخاص.. جودة المنتج في مواجهة قسوة الربح

الثلاثاء 2017/02/21
تعليم خاص يضمن الجودة للمتعلمين

في مطلع سبعينات القرن الماضي، دخل القطاع الخاص في الكثير من البلدان العربية، مجال الاستثمار في التعليم، باعتباره عاملاً مؤثراً في سوق العرض والطلب، سواء كان ذلك من جانب المستثمرين الذين ضخوا أموالهم في نشاط رأوه مضمون النجاح، أو من جانب أولياء الأمور الذين فكروا في حلول جديدة للاستثمار في أبنائهم.

في الماضي، كان التعليم الخاص، أحد الحلول التي تنم عن فشل الطالب داخل مدرسته العمومية، في مصر على الأقل، إلا أن بزوغ عوامل مجتمعية واقتصادية عديدة، بدءاً من تزايد النمو السكاني، ومروراً بتراجع النمو الاقتصادي، وانتهاءً بزيادة أدوار القطاع الخاص، حوّل التعليم إلى سلعة تزايد الطلب عليها عاماً بعد آخر، بل أضحى مكوناً رئيسياً لسوق العمل العربية خلال السنوات الماضية.

لكن جوهر تنامي التعليم الخاص انبثق بالأساس من تراجع دور بعض الحكومات العربية، التي تأثرت بما مرت به من ظروف اقتصادية، فقللت من معدلات إنفاقها على قطاعات هامة، وعلى رأسها التعليم والصحة، إذ يعادل الإنفاق الحكومي الحالي على التعليم بالبلدان العربية 3.8 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي، مقارنة بـ 5 بالمئة للدول المتقدمة، و4 بالمئة للدول متوسطة الدخل، وفقاً لإحصائيات البنك الدولي في عام 2013.

ما أقدمت عليه بعض الحكومات تسبب في هزة قوية أصابت التعليم العمومي في الكثير من نواحيه، بداية من جودته وطرق التدريس فيه، وتكدسه بأجيال جديدة لم يتم توفير أماكن لها، وهو ما أفسح المجال أمام التعليم الخاص، الذي لعب على نقاط ضعف التعليم الحكومي، لضمان جذب أكبر عدد من الأجيال الوافدة إلى هذا المجال. ويشير مراقبون إلى أن للتعليم الخاص مزايا عديدة، حيث يقدم خدمة تعليمية متميزة، تفوق في الكثير من الأحيان ما يقدمه التعليم العمومي، بل ويلجأ إلى أدوات التعليم الحديثة والعصرية المستخدمة في البلدان الغربية، ويحدد أهدافًا واضحة لخريجيه.وهناك أربعة عناصر أساسية، عمل التعليم الخاص على تطبيقها.

للتعليم الخاص مزايا عديدة، حيث يقدم خدمة تعليمية متميزة، تفوق في الكثير من الأحيان ما يقدمه التعليم العمومي، ويلجأ إلى أدوات التعليم العصرية، ويحدد أهدافًا واضحة لخريجيه

الأول يتعلق بطرق التعليم والتدريس، حيث أدخل التكنولوجيا باعتبارها مستقبل التعلم في العالم كله، وفتح المجال أمام دراسة ثقافات مختلفة من خلال التوسع في تعليم اللغات الأجنبية، وابتعد عن روتينية أداء التعليم العمومي، وخلق نوعاً من التواصل الحقيقي بين الطالب ومعلمه. والعنصر الثاني تمثل في تحقيق غاية يبحث عنها العديد من أولياء الأمور والطلاب، تتعلق “بالأمان” الجسدي والاجتماعي والعاطفي داخل أسوار المؤسسة التعليمية، ما ساهم في تكوين صورة ذهنية إيجابية لدى المجتمعات العربية، التي تعاني عنفاً متزايداً داخل المدارس منذ عدة سنوات.

العنصر الثالث يتمثل في متابعة سلوكيات الطلاب أثناء تواجدهم داخل المؤسسة التعليمية، وإتاحة قدر أكبر من حرية الرأي والتعبير، وهو ما تفتقد إليه المدارس العمومية في الكثير من الأحيان. ورابع العناصر التي ضمنت النجاح للتعليم الخاص، أنه عمل على تكوين “روابط” وجمعيات مهتمة بالتعليم، سواء من قبل أولياء الأمور أو المستثمرين، ما أدى إلى التركيز على البيئة التعليمية، وكذلك فهمه لمتطلبات سوق العمل في كل دولة على حدة والتركيز عليها، وهو ما نتج عنه دخول مفردات تعليمية حديثة تواءمت مع احتياجات القطاع الخاص.

على جانب آخر، أحدث ما قدمه التعليم الخاص من خدمات تعليمية متقدمة للطلاب، شرخاً مجتمعياً، بعدما حرمت الطبقات الفقيرة من الحصول على فرص تعليم متميزة، ومن ثم تراجعت أحيانا العدالة الاجتماعية والمساواة في الحق في التعليم، وهو ما أحدث نوعاً في الفصل بين الطبقات، مازال العديد من المجتمعات العربية يعاني من تبعاته. علاوة على هذا، كان الإهمال الحكومي للتعليم العام، ركونًا إلى وجود تعليم خاص، سببًا في تفاقم مشكلة الأمية، حيث أكدت منظمة اليونسكو أن هناك نسبة كبيرة من الأطفال بالمدارس الحكومية، لم يتلقوا أساسيات التعليم بشكل جيد، مع الغياب الكامل لمستلزمات التعليم، وانعدام الاستقرار الأمني داخل المدارس.

يضاف إلى ذلك أن سيطرة التفكير الرأسمالي الساعي إلى الربح على أصحاب المؤسسات التعليمية الخاصة، أدى إلى ارتفاع التكلفة المادية للخدمات التي تقدمها المدارس الخاصة بصورة مرعبة، وأضحت القيمة المادية هي المحدد الرئيس لنوع الخدمة التعليمية المقدمة، ما زاد من معاناة المواطنين متوسطي الدخل، الذين لجأوا إليها هرباً من جحيم التعليم الحكومي. طغيان الجانب الاستثماري على التعليم الخاص في مصر، وتزايد الإقبال عليه بنسبة وصلت إلى 10 بالمئة من أعداد الطلاب، تسبب في مشكلات جمة داخل المدارس الخاصة، ما خلق حالة من عدم الرضا العام عن مضمون العملية التعليمية ومخرجاتها من ناحية، وضعف مستوى المعلمين من ناحية ثانية.

12