التعليم الخاص يهيمن على الفقراء ويخفت في الدول النفطية

تتوافد المجتمعات العربية الفقيرة بكثافة على المدارس الخاصة مرتفعة التكلفة وتدير ظهرها للتعليم الرسمي الذي وصل إلى مستوى غير مسبوق من التراجع. وعلى العكس تهتم المجتمعات الغنية بالمدارس العامة التي تتلقى مستويات إنفاق جيدة في مفارقة شكلت واقع التعليم في العالم العربي خلال العقد الماضي.
الثلاثاء 2016/07/05
تحمل فاتورة فشل الحكومة

القاهرة – يتناسب حجم الثروة في العالم العربي عكسيا مع حجم الإنفاق على جودة التعليم العام في مفارقة تضاف إلى تناقضات المنطقة التي قادتها مؤخرا إلى فوضى وصراعات راح ضحيتها مئات الآلاف.

وفي المقابل يحظى المستثمرون المحليون والأجانب في قطاع التعليم الخاص بتسهيلات من أجل التوسع في بناء المزيد من المدارس التي لا تكون لدى غالبية الطلاب من الطبقة الوسطى والطبقات الفقيرة القدرة على الالتحاق بها.

والعكس يحدث في دول خليجية أقل سكانا، لكنها تتمتع بثروات نفطية كبيرة. وتنفق أغلب الدول الخليجية أموالا طائلة على تحسين جودة التعليم العام، بينما تتراجع أعداد المنضمين إلى المدارس الخاصة مقارنة بالدول العربية الفقيرة.

وتجمع دراسات وأبحاث جرت حول نظم التعليم في الدول النامية، على أن حكوماتها تشجع على التعليم الخاص والأجنبي، أكثر من تشجيعها على التعليم الرسمي.

ورغم ارتفاع معدل النمو السكاني، وتراجع معدلات النمو الاقتصادي في بلدان كمصر والجزائر والسودان وتونس والأردن، لم يحرك الإنفاق على التعليم العام ساكنا. وفشلت المدارس الرسمية في احتواء الطلاب، وتحول التعليم الخاص إلى البديل المنقذ للطبقة ما فوق المتوسطة والثرية.

وتقر حكومات عربية بأن مستوى التعليم الرسمي “غير مرضٍ، ومليء بالمشكلات المتراكمة”. وتحتاج هذه التحديات إلى العشرات من المليارات، ما يعطي شرعية مباشرة للمستثمرين لأجل التوسع في إنشاء مدارس خاصة وأجنبية.

ولم يعد أمام تلك الحكومات سوى دعمها بشكل كامل وغير مشروط، حتى لو أدى ذلك إلى تجاهل “مجانية التعليم” التي تنص عليها دساتير أغلب الدول العربية.

التجربة المصرية

ومصر مثال حي على هذه السياسة التي تسببت في حدوث تغييرات ديمغرافية واسعة في البلاد. وألقت الحكومة بأعباء تطوير التعليم على المستثمرين، إذ يحتاج قطاع التعليم العام إلى حوالي 50 مليار جنيه (نحو 5.5 مليار دولار) للقضاء على الكثافة المرتفعة في المدارس، ما حدا بالحكومة إلى الاعتماد بشكل أساسي على رجال الأعمال لإنشاء مدارس “متميزة” لتقليل الكثافات.

في مصر أنشئت 300 مدرسة خاصة (عربي ولغات) خلال عام واحد، مقابل أقل من 100 مدرسة حكومية

وتمنح الحكومة المصرية الأرض للمستثمر دون مقابل كحق انتفاع لمدة 40 عامًا، ومصروفات سنوية تبدأ بخمسة آلاف جنيه (550 دولارا).

وقالت مصادر إن وزارة التربية والتعليم المصرية تعكف على إجراء تعديلات جذرية على قانون إنشاء المدارس الخاصة واللغات، بحيث يتم القضاء على البيروقراطية في الترخيص لرجال الأعمال وتيسير أمورهم لإنشاء المدارس الأجنبية وبحث شكاواهم والبت فيها خلال أيام قليلة.

وتقول إحصائيات البنك الدولي لعام 2013 إن الدول العربية تنفق ما يعادل 3.8 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي على التعليم بشكل عام “في صورة أجور ومرتبات وتطوير”، بينما تنفق دول الخليج على التطوير فقط ما مقداره 3.3 بالمئة تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي.

يرى مراقبون أن الكثير من الحكومات العربية تتجه بقوة نحو سياسة الخصخصة، مع استمرار تراجع دورها الريادي في تحقيق التنمية لقطاع التعليم، حتى تفسح المجال أمام القطاع الخاص للعمل بحرية.

ويؤكد البنك الدولي أن نحو 25 بالمئة من عدد الطلاب في الدول العربية يُنهون تعليمهم في المدارس الخاصة، وهو ضعف العدد قبل نحو 20 عامًا.

طفرة بالمدارس الخاصة

قال مسؤول بوزارة التعليم المصرية لـ”العرب” إن 70 بالمئة من موازنة التعليم في البلاد تذهب إلى رواتب الموظفين، والنسبة المتبقية لا تكفي لحل 10 بالمئة من مشكلات التعليم الأخرى.

وقال إن الحكومة لم تعطل تراخيص المدارس الخاصة، إذ أن هناك نحو 300 مدرسة خاصة “عربي ولغات” أنشئت خلال عام واحد، مقابل أقل من 100 مدرسة حكومية، غالبيتها بتبرعات أهلية.

كمال مغيث: من الضروري أن تنقل دول مثل مصر والأردن والجزائر والسودان تجارب الدول الخليجية في مجال تطوير التعليم

في المقابل خصصت دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، أموالا طائلة للاستثمار في البحث العلمي وحققت المساواة في الوصول إلى التعليم الجامعي، ودعمت المدارس الرسمية بعناصر التعليم المتكاملة، بدءا بالتكنولوجيا ووصولا إلى المعلمين المؤهلين والمنشآت المجهزة.

مع ذلك لم تغب المدارس الخاصة والأجنبية عن هذه الدول. ويقول مراقبون إن الفرق في الخليج يكمن في أن الطلاب يلتحقون بالمدارس الخاصة بإرادتهم، بعكس الدول النامية، التي تشهد التحاقا كثيفا بالمدارس الخاصة هروبًا من المدارس الرسمية. وقال كمال مغيث -الباحث التربوي المصري- لـ”العرب” إن الكثير من الحكومات العربية استسلمت لمشكلات التعليم لاعتقادها أنها مادية أكثر منها إدارية، ما يعمق جراح مفهوم العدالة الاجتماعية في بعض الدول، ويعطي المدارس الخاصة إمبراطورية عظمى لتستأثر بمجريات التعليم وتتحكم في مستقبل الأمم”.

وأضاف أن “المدارس الرسمية لم تعد مكانا صالحا للتعليم، فضعف هيئة التدريس، وضياع المهارات والفرص على الطلاب وإهدار المال في ما لا ينفع العملية التعليمية…(كل ذلك) خلق منظومة تعليم خاصة وموازية برضا الأغنياء والحكومات”.

ويرى مغيث أنه من الضروري أن تنقل دول مثل مصر وتونس والجزائر وغيرها، تجارب الدول الخليجية في مجال تطوير التعليم، والإيمان بأن العنصر التعليمي مصدر القوة، والاستثمار الحقيقي والفعال.

ويصل نصيب الطالب المصري من ميزانية التعليم إلى 130 دولارا، بينما يبلغ في السعودية 1300 دولار، وهو ما يساوي 10 أضعاف ما تنفقه الحكومة المصرية.

ودفع ذلك أولياء الأمور إلى الاعتقاد بأن التحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة سيجعلهم مؤهلين ثقافيًا ولغويًا وهو ما سيتيح لهم فرصة أكبر في سوق العمل في المستقبل، بعكس المدارس الحكومية التي لا تقر قواعد لعمل المعلمين، أو تطور من أنظمتها وتخصصاتها.

وقالت آلاء عثمان -طبيبة مصرية وأم لثلاثة أبناء، التحقوا جميعا بمدارس خاصة “لغات”- إن أبناءها “التحقوا بمدارس حكومية في بادئ الأمر، وكانت حجرة الدراسة الواحدة تضم 100 طالب، والمعلم لا يذهب إلى الدوام إلا نادرًا، وكان أبنائي يشعرون بأنهم داخل سجن كبير، ولا يستطيعون ممارسة الرياضة والأنشطة داخل المدرسة، فقررت تحويلهم إلى مدرسة خاصة، وشعرت وقتها أن الحياة عادت إليهم من جديد”.

وأشارت إلى أن “الحكومة على علم تام بمشكلات المدارس الرسمية، لكنها لا تريد لها التطوير بدافع ندرة المخصصات المالية. بدأنا نشعر بأن الإهمال أمر متعمد، حتى تهرب الحكومة من المسؤولية بمرور الوقت، وتبدأ بخصخصة التعليم بدافع أن الميزانية لا تسمح”.

17