التعليم الديني الموازي في تونس.. مناهج أصولية موجهة ورقابة ملتبسة

خلق حدث ثورة يناير 2011 فوضى مؤسسية كبيرة عبثت بكل الترتيبات القانونية والتنظيمية في تونس وفتحت الباب أمام نشوء تعليم ديني مواز تنوع في أشكاله وتعدد في جمهوره وتباين في مواده التعليمية، ويقر مسؤولون من داخل القطاع بأن الغاية الكبرى من وراء هذا التعليم هي تعويم المجتمع التونسي ومحاولة استقطابه نحو مناخ ديني تسيطر عليه روح التشكيك والطعن في قيم الهوية المدنية للدولة.
الثلاثاء 2017/11/21
محاولات لزرع ثقافة أصولية

تونس - لا يزال التعليم الموازي، الذي يقوم أساسا على طرق ومناهج دينية خالصة، يطرح إشكالا في تونس، فبعد سياسة التضييق والمنع التي انتهجها نظام زين العابدين بن علي إزاء المؤسسات الدينية، مكنت حالة الانفلات التعليم الديني من العودة بقوة لافتة غير أن هذه العودة تواصلت خلال السنوات الست التي تلت الثورة لتترافق مع فوضى عارمة وتخبط كبير بخصوص آليات ومجال تسيير هذا النوع من التعليم، مما أثار تساؤلات كثيرة ومخاوف حقيقية.

ولا يكاد الجدل يتوقف في تونس حول حقيقة هذا النمط من التعليم الذي بدأت ملامحه تثير المخاوف بين أطياف واسعة من المجتمع وتغذيه عدة مؤشرات ترسم القلق في نفوس التونسيين على مستقبل أبنائهم.

ومن بين هذه المؤشرات، استنادا إلى ما أقر به أكاديميون في مجال التعليم، ما أقدم عليه فرع تونس للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مؤخرا من تنظيم “الدورة الخامسة للتكوين والتأهيل الشرعي”، وقد سبقت هذه الدورة أربع دورات أخرى خصصت كلها “للتكوين والتأهيل الشرعي” بتونس.

وفي مؤشر آخر يعكس حدة التجاذبات بين التونسيين حول المشاريع التعليمية الدخيلة عكستها عملية بعث مدرسة تركية في تونس، حيث اعتبر بعضهم أنها تهدد “القيم العلمانية” في البلاد، فيما اعتبر آخرون أنها تمثل فرصة جيدة للاستفادة من التجربة التركية في مجال التعليم.

وكان بيرول أقغون رئيس وقف المعارف التركي (حكومي)، أشرف على افتتاح مدرسة “المعارف” الدولية التركية في العاصمة التونسية، حيث أكد ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن بلاده “ترغب في تطوير العلاقات مع تونس في كل المجالات وليس فقط في مجال التعليم”.

حسان غانم: الدولة لم تقم بالدور الكافي لتحييد هذا النوع من التعليم

فيما أشاد رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي بهذه الخطوة خلال استقباله وفدا تركيا يتقدمه أقطاي وعدد من المسؤولين الأتراك، داعيا إلى تعزيز علاقة الصداقة والتعاون بين تونس وتركيا وبين حزبي النهضة والعدالة والتنمية التركي.

وأثار الخبر ردود فعل غاضبة في تونس وتصاعد التوتر بشأنه بين العديد من الفاعلين في مجال التعليم، وتجلى ذلك في تصريحات الباحثة والأكاديمية رجاء بن سلامة التي قالت “أنا لا أقبل ولن أقبل أن تدشن وزارة أوقاف أو (وزير وقف معرفة) أو لست أدري ماذا، لدولة أجنبية مدرسة تابعة لهذه الدولة الأجنبية، وذات غرض ديني تحت إشراف رئيس حزب ديني تونسي – حركة النهضة التي تقول لنا إنها تريد أن تصبح حركة مدنية، وفي ظرف تتحول فيه هذه الدولة الأجنبية أمام الجميع إلى دكتاتورية مناهضة للعلمانية”.

وأضافت على صفحتها بموقع “فيسبوك” “لن أقبل أن تفرط دولتنا في التعليم العمومي لمصلحة دول أجنبية وقوى ضغط مؤدلجة من دون مراقبة محتويات هذا التعليم، وأن تفقد تونس سيادتها بسبب بعض الأحزاب المتأدلجة والدينية خصوصا”.

ويرفض خبراء التعليم والتربية وجود تعليم مواز للتعليم العمومي تحت أي يافطة وأي مبررات، لافتين إلى أن القبول بنمط تعليمي جديد، سواء المتعلق منه بالتعليم الزيتوني أو التعليم الديني غير المنظم، يعني أن الدولة ستكون مطالبة بالإنفاق المضاعف على التعليم، ما يربك حساباتها الاستراتيجية وخططها لإعداد الخريجين وعلاقة ذلك بسوق العمل.

وقال فتحي الماجري الأكاديمي والباحث التونسي في تصريح لـ”العرب” إن “التعليم الموازي سيسهم في خلق أجيال مضادة مستقبلا لا تتوافق مع رؤية الدولة سواء في التكوين أو في ما يتعلق مع متطلبات سوق الشغل”.

وأضاف “الدولة تسعى لإصلاح منظومة التعليم وهناك جدل واختلاف بشأن طرق هذا الإصلاح، فيما سيخلق التعليم الموازي مشكلة أخرى تضاف إلى ما تسعى الدولة لبلوغه”.

ومن جانبه قدم المتفقد البيداغوجي حسان غانم رؤيته للمسألة في تصريح لـ”العرب”، حيث يرى “أن الدولة لم تقم بالدور الكافي لتحييد هذا النوع من التعليم وتعمل على هيكلته بما يتماشى مع رؤيتها للمؤسسات التعليمية وكيفية تنشيطها في المستقبل”.

جمهور متنوع عمريا استهدفته هذه الأطر الموازية في جو من الآداب الدينية لخلق جيل نمطي يؤسس لثقافة دينية أصولية

وأضاف غانم “ليس هناك توافق في تونس حول هذه الطرق في التدريس وكيفية توزيعها مجاليا”، في إشارة منه إلى أن الطرق في التدريس تحتفظ في جانب منها بالسرية المطلقة وتعول على أنشطة بعينها يتم توجيهها للنشء.

وظهرت في تونس كتاتيب لتحفيظ القرآن وجمعيات للقراءات والتجويد وأخرى للعلوم الشرعية كالفقه والعقيدة ورياض أطفال دون أن يكون لها أي إطار قانوني منظم يضبط الهوّية الإدارية بشكل دقيق وصارم، أو البرامج التعليمية التي تقدم للجمهور العريض المقبل عليها بنهم.

وقد تنوّعت هذه الأطر التعليمية الدينية الموازية في المضمون التربوي والمعرفي الذي تقدمه لروادها، فبعضها اختص بتحفيظ القرآن وتلاوته لفئات عمرية مختلفة وفق قراءات وروايات مخصوصة وقع انتقاؤها واختيارها بطريقة قصدية

موجهة تتعدى ما هو معمول به في الدولة التونسية.

أمّا الجمهور الذي استهدفته هذه الأطر الدينية الموازية فمتنوّع عمريا، فالناشئة التي كانت تتوجّه إلى المحاضن والمدارس التحضيرية أصبحت أكثر إقبالا عليها لتلقي مواد تعليمية ترتكز على تحفيظ القرآن والأحاديث وبعض المأثورات الدينية والأناشيد والأدعية المنتقاة بعناية في جو من الآداب الدينية لخلق جيل نمطي يمثل بيئة حاضنة لثقافة دينية أصولية.

فيما كانت الفئة العمرية الثانية في إطار جمعيات انتشرت في الأحياء وفي كافة المدن والجهات، وتركز على مادة دينية مفصلة وموسوعية تشمل تلقين الأحاديث والتفاسير، وتعليم القراءات وبعض المبادئ العقدية في إطار الفصل بين الجنسين امتثالا للمنظور الفقهي التقليدي وثوابته عن العلاقة بين الجنسين.

17