التعليم الديني بتونس والأخونة التدريجية للمجتمع

الخميس 2017/10/05

الموضوع الذي يثير الجدل منذ أيام هو ما أقدم عليه فرع تونس للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين من تنظيم “الدورة الخامسة للتكوين والتأهيل الشرعي”، وقد سبقت هذه الدورة إذن أربع دورات أخرى قد خصصت كلها “للتكوين والتأهيل الشرعي” بتونس.

والفرع يعتقد حسب تقديمه لبرنامج التدريس الذي يقترحه أن قسما كبيرا “من المواطنين في مختلف الأعمار ظلوا يبحثون عن المصدر المـوثوق الـذي يتعلمون منه دينهم فوجدوا من بين تلك المصادر فرع تونس من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مصدرا موثوقـا لتعلم دينهم”.

فالمشرفون على هذا الفرع يرون أنفسهم “مصدرا موثوقا” (به) يمكن للشعب التونسي- وخاصة منه الشباب- أن “يرويَ (منه) شوقه إلى تعلم حقائق دينه”.

وإذا بحثنا عن طبيعة الجمهور الذي يوجه إليه التعليم وجدناه على نوعين: الأول ينتمي إليه “حاملو شهادة الباكالوريا في جميع الاختصاصات”، ويمكن إذن لحامل الباكالوريا في الرياضيات أو في العلوم التجريبية أن يغير مسار حياته فيختار أن يكون داعية إلى الدين عوض أن يصبح طبيبا أو مهندسا، وليس لهـذا من تسمية غير “الاستقطاب”. استقطاب الشباب لينغمس في الدين ويطلب الآخرة ويترك الحياة الدنيا بما فيها من شهائد وارتقاء في سلم وظائفها.

والنوع الثاني ينتمي إليه غير الحاملين لشهادة الباكالوريا، وهذا يعني ضمنيا أنهم من المنقطعين عن الدراسة دون تحديد مستوى معين، ولا غرابة في أن يشمل كل أصناف المنقطعين عن التعليم من الابتدائي إلى الثانوي.

وهذا النوع يكون عادة أقل ذكاء من النوع الأول وأقوى جموحا، وبذلك يكون أيسر ترويضا وأسهل استقطابا لأنه أسرع تصديقا لما يلقن له وأسهل انقيادا لتنفيذ ما يؤمر به.

فإذا نظرنا في مدة التكوين وجدناها مَقِيسة على سنوات الدراسة في نظام “إمد”- أي إجازة فماجستير فدكتوراه- المطبق في التعليم العالي بتونس اليوم، فإن النوع الأول من الطلبة، وهم حاملو شهادة البكالوريا، يسجلون حسب ما هو مبيّن للدورة الخامسة 2017 – 2018 لمدة “ثلاث سنوات دراسية: تسعة أشهر في ثلاث ثلاثيات لكل سنة”، وتعد هذه المرحلة “أساسية في العلوم الشرعية”، وقد كانت المرحلة قبل الدورة الخامسة تتكون من “دورات” ومدة كل دورة “سنة وثلاثة أشهر” مقسمة “إلى أربع ثلاثيات بمعدل 96 ساعة لكل ثلاثية”، وسواء كثر عدد الساعات في المرحلة أو قلّ فإنها مقيسة على مرحلة “الإجازة الأساسية” في التعليم الجامعي العام.

نفت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن تكون قد منحت "ترخيصا لاتحاد علماء المسلمين لبعث مؤسسة تعليمية خاصة في العلوم الشرعية"

ويمكن للناجحين بتفوق من الطلبة “أن يكملوا سنتين كمرحلة متقدمة في العلوم الشرعية”، وهذه المرحلة “تختتم بإنجاز مذكرة علمية تعرض أمـام لجنة علمية”، وهذه المذكرة هي المعادل لرسالة الماجستير في التعليم العالي العام.

وأما النوع الثاني من الطلبة فإنهم يسجلون لفترة تمهيدية في العلـوم الشرعية لا نعرف مدتها، وبعد النجاح يمكنهم “التسجيل في المرحلة الأساسية”، وهذا النجاح الذي يخول لصاحبه الالتحاق بالمرحلة الأساسية يفيد ضمنيا أن الطالب قد حصل على ما يعادل شهـادة الباكالوريا، بجود وكرم تامين من فرع الاتحاد العالمي بتونس، وبما أن المنقطعين عن التعليم الابتدائي والثانوي يعدون بمئات الآلاف فإن الفرع يأمل بلا شك أن يكون عدد المقبلين على هذا النوع من التعليم كبيرا.

فإذا نظرنا في مواد التدريس وجدناها صنفين:

الأول هو الذي يسمى بالعلوم الشرعية، وهذه العلوم جامعة لما يتصل بالكتاب والسنة من المنظار الذي يريد فرع تونس أن يُنْظَرَ به إليها. ومن هذا الصنف “علوم القرآن” و“علوم الحديث” و“العقيدة”، و“فقه المعاملات” وفقه الفرائض مثل الحج والزكاة والصلاة.

والصنف الثاني تمثله مواد نراها مقحمة في العلوم الشرعية ولا نرى إدراجها في مواد التدريس بريئا لغاية التثقيف المحض لأنها مثار لاختلافات كثيرة، منها “السياسة الشرعية” و“الأحوال الشخصية” و“المواريث” و“الاقتصاد الإسلامي” و“مقاصد الشريعة”، بل إن متصوري مواد التدريس لم يهملوا “الدعوة والخطابة وفنـون التـواصل” و“طـرق التربية والتعليم”.

والملف كما يلاحـظ خطيرٌ، وهو يثير جملة من التساؤلات نكتفي منها بثلاثة: أولها متعلق بـ“مشروعية” هذا التعليم الجامعي. فإن مسارات التدريس فيه مقيسة كما يلاحظ على مسارات التدريس في نظام “إمد” المطبق في التعليم العالي العمومي، وقد نفت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن تكون قد منحت “ترخيصا لاتحاد علماء المسلمين لبعث مؤسسة تعليمية خاصة في العلوم الشرعية” وأن تكون لها أي علاقة “لا من قريب ولا من بعيد بهذا الاتحاد”.

وموقف الوزارة هذا يبين أن هذا التعليم الذي يشرف عليه فرع تونس “تعليم مواز” مثله مثل المظاهر “الموازية” الأخرى في الاقتصاد والسياسة والأمن، فهو تعليم غير مرخص له، وغير مسموح للمشرفين عليه بأن يقوموا به لأنه خارج عن إشراف الدولة حالٌّ محلَّ التعليم الـذي تشرف عليه وزارة التعليـم العالي في الجامعة الزيتونية، التي أوكل إليها قانونيا تكوين الدعاة والوعاظ والأئمة.

ورغم أن هذا “التعليم الموازي” متواصل جهارا والدعوة إليه متواصلة منذ خمس سنوات، فإننا لم نر أي تحرك رسمي ضده وأي تدخل للدولة فيه بل هو يسير سيرا طبيعيا بل تباركه وتشارك فيه رئاسة جامعة الزيتونة. وسبب هذا الصمت في ما نرى هو أن المشرف الحقيقي على هذا التعليم الموازي هو حركة النهضة ذات اليد الطولى في تصريف شؤون السياسة، وذات الفيتو الطويل العريض في الاعتراض على تعيين أو بقاء أي وزير يهدد برامجها ومصالحها العاجلة والآجلة.

والتساؤل الثاني يتعلق بـ“موضوعية” ما يدرّس من مسائل.

يقول المشرفون على هذه الدورات إن ما يقدمونه يمثل الإسلام الوسطي المعتدل، ولسنا ندري من أين جاءت الوسطية ومن أين طرأ الاعتدال على خطاب “جمعية” منتسبة إلى حزب سياسي ديني هو حزب حركة النهضة، ويشرف عليها أشخاص ينتمون إلى الإسلام السياسي؟ منذ متى كان خطاب الإسلام السياسي وسطيا معتدلا؟

لسنا ندري من أين جاءت الوسطية ومن أين طرأ الاعتدال على خطاب "جمعية" منتسبة إلى حزب سياسي ديني هو حزب حركة النهضة، ويشرف عليها أشخاص ينتمون إلى الإسلام السياسي

إذ يكفي أن يجنح هذا الإسلام إلى السياسة وأن يُـخْضع السياسةَ للدين حتى يخرج خطابُه عـن الوسطية والاعتدال ليصبح متطرفا، وهذا ما عرفه التونسيون من خطاب الجماعة يوم كانوا في السلطة، إذ فتحوا أبواب البلاد للغُلاَة من الدعاة المحرّضين على الجهاد ضد المسلمين أمثالهم وشجعوا الجماعـات المتطرفة التي كانت تذكِّر بعضَهم بشبابه ويرى أنّها “مبشرة بثقافة جديدة”، وكان بعض آخر يعتبر أتباعَها أبناء هذه البلاد وأنهم لم ينزلوا من المريخ.

ولم ينس التونسيون تلك المناظر المستفزة لوسطيتهم واعتدالهم وخاصة ذلك المنظر المزري الذي ظهر فيه أطفال صغار أبرياء وقد أُمِرُوا بأن يتحدّوا التونسيين بقولهم “موتوا بغيظكم”. فإن هؤلاء الذين كانوا يعلمون الأطفال كيف يتحدوْن التونسيين ليموتوا بغيظهم هم الذين يعلمون الشباب اليوم في دورات “التكوين والتأهيل الشرعي”.

والتساؤل الثالث يتعلق بالغاية من هذا التعليم الديني الموازي.

وليس هو في الحقيقة التعليم الديني الموازي الوحيد في البلاد، بل هو حلقة من سلسلة قد أقرتها حكومتا النهضة منذ فترة الترويكا، منها “التعليم الزيتوني” الذي يشرف عليه جامع الزيتونة، وهو أيضا تعليم مواز بالمعنى التام، وقد بدئ فيه منذ سنة 2012 بتواطؤ من وزير تعليم عال نهضاوي ووزير تربية مؤتمري تابع متخاذل قد أمضيا على وثيقة ليس لها أي حجية قانونية، تبيح إحياء هذا النوع من التعليم في مخالفة صريحة لتوحيد نظام التعليم في البلاد منذ السنوات الأولى لاستقلال البلاد؛ ومنها التعليم الذي يقدَّم في ما يُسمّى بـ“المدارس القرآنية”، وهي “مدارس” عشوائية ينتسب إليها أطفال ذكورا وإناثا بين سن الرابعة والخامسة، وهم لا يُحفّظون فيها القرآن وحده، بل يُعَلّمون مسائل أخرى منها المتصل بالفرائض، ومنها المتصل بالثواب والعقاب في اليوم الآخر بداية بغسل الميت ثم عذاب القبر وسؤال الملَكَيْن.

ولا يمكن للنهضة أن تنفي مسؤوليتها عن انتشار هذه المدارس وعن استفحال دورها لأنها المدافعة عنها وعن استمرارها بتعلة أنها تثبّت في التونسي هويته العربية الإسلامية وتقويها. وهذه التعلة في الحقيقة هي الدافعة إلى بعث التعليم الديني الموازي بأشكاله الثلاثة التي ذكرناها.

والغاية الكبرى الأساسية من هذا التعليم بمختلف فروعه وأشكاله هي تعويم المجتمع التونسي بالتدريج في جو ديني رهيب تسيطر عليه الغيبيات والماورائيات والتعلق بالآخرة والشك في ثمار المدنية الحديثة والطعن في منجزات الحداثة الفكرية والقضاء المبرمج على الملكات النقدية الإيجابية في الإنسان. هي إذن عملية “أخْوَنَة” تدريجيّة منظمة للمجتمع التونسي، فإذا تحققت أصبح المواطن طيعا سهل الانقياد سريع القبول لما يأمره به المرشد أو الفقيه أو الخليفة.

والإسلام السياسي يستغل في تمرير ذلك كله ما تتيحه له قدراته على اتخاذ “الفيتوَات” الرادعة في الحكومة، وما توفره له “سياسة التوافق” التي يرى بعض السياسيين أنها “تقود الدولة الوطنية إلى الاندثار”.

كاتب وجامعي تونسي

9