التعليم السعودي بين دفع رؤية 2030 وجذب بقايا الصحوة

أكاديميون ومثقفون سعوديون يجمعون على وجوب اجتثاث وصاية التيار الديني.
الجمعة 2019/08/23
تطوير التعليم ضرورة ملحة

قبل عام، كشف وزير التعليم السابق في السعودية أحمد العيسى، خلال مشاركته في الجلسة الرئيسية بالمؤتمر الدولي لتقويم التعليم،عن تطوير جديد سيكون قريبا للمناهج، حيث ذكر بأن الوزارة تمتلك مقررا جديدا للفلسفة والقانون. غير أن التجديد وإضافة المناهج الإنسانية لم يريا النور حتى يومنا الحالي. ويرجّح بعض المتابعين بأن ذلك يعود إلى سبب تغيّر الوزير وتسليم مهام الحقيبة الوزارية للوزير الجديد حمد آل الشيخ الذي جاء بحزمة إصلاحات تعليمية ابتدأها بلائحة الوظائف التعليمية التي اعتبرتها الوزارة نقلة تاريخية، وليس على مستوى المناهج التعليمية فحسب، بل حرص على اهتمامها بتطوير الكادر التعليمي ضمن منظومة إدارية وخدمية تأمل في أن تدفع بعجلة التعليم نحو الأفضل رغم المؤاخذات التي كتب عنها بعض المختصين.

الرياض – بعد مضي عام على الإعلان عن إدراج مادة الفلسفة والقانون، وعن التغيير الاستراتيجي في مناهج التعليم عبر ضخ رؤية جديدة في عروقها من خلال تطلعات الوزارة المستقبلية، ومن خلال كوادر تعليمية لم تكن لتوجد في وقت لاحق، مثل تعيين معلمة اللغة الإنكليزية سعاد الشمري متحدثة رسمية باسم التعليم العام.

بعد مضي هذا كله، كيف يتابع المثقفون في السعودية ملف التعليم، وما هي رؤاهم حول واقعه الذي كان مختطفا من قبل تيار الصحوة خلال أربعين سنة، كما عبّر الأمير خالد الفيصل إبان إدارته للوزارة. وهل سيكون تغيير المناهج خطوة كافية لتغيير منظومة التعليم، أم أن القرارات لا بد أن تتخذ على شكل تدريجي تكفل إزاحة الوعي من الحالة التلقينية إلى الحالة الإبداعية؟

صحيفة “العرب” استطلعت آراء نخبة من المثقفين حول تطوير مناهج التعليم في المملكة وما وصلت إليه مخططات الوزارة ضمن رؤية 2030.

حسن بن عبده صميلي: التعليم يجب أن ينحت في صخرة الموروث، وفي رؤية الحاضر
حسن بن عبده صميلي: التعليم يجب أن ينحت في صخرة الموروث، وفي رؤية الحاضر

عدم وضوح الرؤية

يرى الكاتب الدكتور حسن بن عبده صميلي أن أسباب تأخر ولادة المناهج الجديدة تبدو إشارة على عدم وضوح الرؤية في أساسها، وعلى غياب المشروع الذي يتمثل في الهدف من التغيير وفي دلالات التغيير وقيمه التعليمية.

ويقول “إن حالة التعليم التي ترتبط بالتلقين واقتفاء ملامح التربية القديمة لم تعد خلاصا لجيل بات يُؤمِن بانزياح الوعي وبضرورات التجديد؛ فلعل خوف المؤسسات التعليمية من المغامرة والتغيير أوقف مشاريع كثيرة، وبدّد رؤى مختلفة تسعى للشراكة العميقة بين المنهج والمجتمع وبين المؤسسة والفرد”.

ويضيف صميلي “التعليم لم يعد قائما على أفكار جاهزة، ومعلومات متصلبة، بل يجب أن ينحت في صخرة الموروث، وفي رؤية الحاضر، ليخرج بمنهج فكري وثقافي وتعليمي واعٍ، فالتلميذ اليقيني ليس بالضرورة أن يكون خلّاقا بعكس التلميذ الشاك الذي يطارد أسئلة الفلسفة ونداءات الوجود عبر مختلف النظريات والأطروحات الفكرية المتعددة. وعلى وزارة التعليم السرعة في اتخاذ قراراتها،على أن تكون صريحة في جدوى قراراتها وعمق رؤيتها”.

فجوة الثقة

ويذهب الشاعر والكاتب محمد عبدالرحمان الحفظي إلى أن سلبية الوزارة التي صنعتها على مدى عقود تجاه منسوبيها من المعلمين والمعلمات والأجيال المتعددة من الطلاب والطالبات في رأي واحد لا يقبل التداخل بالتغيير أو النقاش.

ويوضح أن الفرق بين مسؤولي الوزارة في المناصب العليا ومسؤولي التنفيذ هو مدى بعدهم عن واقع الميدان وملحقات الوزارة النائية كالمدارس والمعاهد وحتى الكليات.

محمد عبدالرحمان الحفظي: العقود الخمسة الماضية صنعت فجوة الثقة
محمد عبدالرحمان الحفظي: العقود الخمسة الماضية صنعت فجوة الثقة

ويقول الحفظي “العقود الخمسة الماضية صنعت فجوة الثقة وصعّدت من تواتر الوقوف في أرض صالحة لبناء المستقبل المضاهي لدول العالم المتقدم. وتطوير المناهج مرّ بمخاض متعسر عشناه طلابا، ولحق بنا في تالي العمر، لم يتغير، ولم يتبدل حتى بأخطاء الطباعة”.

ويضيف “الإعلام الجديد بقنواته المتعددة أوصل إلى الكل جوانب القصور الكبير في الوزارة، ولم يكن أمام مسؤوليها إلا التبرير الإعلامي المضاد لأرتال المشكلات والمطالبات التي تكشف زيف الوعود دون تنفيذ، وفقر المخرجات. والبيئة التعليمية لا تصلح لتنفيذ التطوير اللازم لأن بنية المدارس والمناهج في أردأ المستويات و أبأسها، والمعلم الذي تقوم عليه أهداف التطوير مُهْمَل ومُهمّش في أبسط مطالباته”.

ويؤكد الحفظي على أن المناهج الجديدة المقترحة تصطدم بموافقة بعض المُتَخَفِّينَ في أجنحة الوزارة من متجذري الصحوة، ولا تمرق تلك الرؤى بسهولة أو كما هو مخطط لها. فواقع الحال حسب رأيه “إن اجتثاث ركام الأدراج القديمة هو الخطوة الأولى لفتح أفق جديد متطور يسير مبتهجا وفق تصفيق الجميع”.

ويشير الحفظي في مداخلته إلى المباني المدرسية الحالية التي هي أولى بالتغيير من سردٍ إعلامي للجمهور المتأمل، فتلك البيئة، حسب تعبيره، “مهلكة للطالب والمعل”.

ويضيف “المبنى المدرسي متهالك وقديم وسيء الصحة بما يشكل نسبة كبيرة من مجموع المباني. أمضيت في التعليم اثنين وثلاثين عاما معلما، ولم أجد فيها إلا تكرار المأساة السنوية من النواقص وكرة الثلج الكبيرة، ما دعاني إلى التقاعد المبكر”.

ويختتم الحفظي حديثه قائلا “تطوير المناهج وإضافة الجديد ولائحة الوظائف التعليمية بشروطها المعقدة واستقصادها المبطن وغموضها العميق لن تصنع فارقا مأمولا في بيئة تصحر فكري لا يخدم الرؤية المتأملة 2030”.

مطلب التطوير

 المناهج الجديدة المقترحة تصطدم بموافقة بعض المتخفين في أجنحة الوزارة من متجذري الصحوة، ولا تمرق تلك الرؤى بسهولة أو كما هو مخطط لها
 المناهج الجديدة المقترحة تصطدم بموافقة بعض المتخفين في أجنحة الوزارة من متجذري الصحوة، ولا تمرق تلك الرؤى بسهولة أو كما هو مخطط لها

من جانبه يشير الصحافي والمعلم علي فايع إلى أن التطوير مطلب، وحينما يكون هذا التطوير مدروسا بشكل جيد فلا شك أنه سيؤتي ثماره.

وفي هذا الصدد، يقول “مشكلتنا في التعليم أن التطوير يأتي من المنظرين الذين يسكنون الأدوار العلوية، ويتم تمريره بشكل سريع إلى شريحة المعلمين في الأدوار السفلية دون رؤية واضحة ولا تصور دقيق ولا مقدمات ودون قناعات ولذلك في الغالب يفشل”.

علي فايع: التطوير مطلب، وحينما يكون مدروسا بشكل جيد فإنه سيؤتي ثماره
علي فايع: التطوير مطلب، وحينما يكون مدروسا بشكل جيد فإنه سيؤتي ثماره

ويضيف “لدينا زحمة كبيرة في المبادرات التعليمية والبرامج وكلها تطلب ود التطوير لكنها مع الوقت لا تحدث أكثر من الضجيج. والمشكلة الأهم في التطوير أننا نخاطب الإعلام، ولا نخاطب الواقع بشكل مقبول، إذ لا يمكننا إحداث أثر ونحن لم نتغلب على مشكلات كبرى لدينا يدركها المعلمون في الميدان، وربما لم يتنبه لها المنظرون الذين يسكنون الأدوار العلوية”.

ويحاول فايع حصر بعض المشكلات واختصارها في الفصول الدراسية، وأعداد الطلاب فيها، والمباني المدرسية التي تخنق الطالب ولا تمنحه بيئة تعليمية جيدة، بالإضافة إلى المعلم المشتت بالقرارات المستفزة والدورات والبرامج التي تنمي جوانب ربما ليست أولوية لديه ولدى طلابه.

ويخلص فايع في مداخلته مع “العرب” إلى القول “أنا مع التفكير بجدية قبل زيادة المقررات والمناهج،علينا تهيئة البيئة المناسبة لمثل هذا التطوير، وليكن همنا الأول المعلم، فمهما كان المقرر ومنهجه لا يمكن تقديمه بشكل مقبول وفاعل ما لم يكن هناك معلم جيد”.

وصاية التيار الديني

وفي نظرة متفائلة إلى المستقبل يشير الكاتب والإعلامي وائل المالكي بأن هناك وصاية تاريخية من قبل التيار الديني على التعليم تحديدا. وبأن خطة التعليم في رؤية 2030 ستتجاوز هذه الوصاية.

ويقول المالكي “هذه الوصاية قامت بتعبئة دينية اجتماعية للعقول من بعض الجماعات الدينية والمتمثلة في جماعة الإخوان التي اخترقت التعليم والعقول في آن واحد واستطاعت أن تقولب المناهج عامة والدينية تحديدا حتى تستطيع أن تتمكن من العقول لتحقيق غايتها وطموحاتها السياسية، لذا حرصت هذه الهيمنة الدينية في التعليم على عداء الفنون والفلسفة والقانون من المناهج، وانصب التركيز على المناهج الدينية. وهذا يؤكد بأن هذه الجماعات الدينية أو الصحوة تحديدا اختطفت عقل التعليم ومناهجه. لكن هذا المشروع تقهقر وهو في طريقه إلى الزوال مع رؤية 2030 التي تتبنى وجها سعوديا مختلفا شكلا ومضمونا”.

وائل المالكي: هناك وصاية تاريخية من قبل التيار الديني على التعليم
وائل المالكي: هناك وصاية تاريخية من قبل التيار الديني على التعليم

ويرى المالكي أن حالة التعليم ستتحول إلى الأفضل لأن الحكومة السعودية أصبحت تعيش في مرحلة مختلفة على كافة المستويات، لذا يؤكد في حديثه مع “العرب” بأن التحسين والتغيير أصبح ضرورة حتمية.

ويقول “قد يكون تغيير المناهج أحد أهم وأبرز مرتكزات خطة تطوير التعليم. ولكن يبقى المعلم الذي يبث الأفكار هو المحور الأهم في عملية التطوير، لذا عملية التطوير مِن الضروري أن تكون في خطوط متوازية لنضمن شكلا جديدا في التعليم السعودي. ووزارة التعليم بقيادة د.حمد آل لشيخ تقود ثورة تعليمية كبيرة داخل الوزارة، وهو يكمل ما بدأه الوزير السابق د.أحمد العيسى”.

الإصلاح ليس شعارا

يذهب مستشار تنمية الموارد البشرية الكاتب منصور القطري إلى القول بأن تطوير التعليم مرتبط دوما بخطة محكمة ومستقرة نسبيا، لا تتغيّر بتغير الوزير لأنها تعبير عن جهد مؤسسي بعيد عن الشخصنة. وفي تقديره إن الإصلاح في المنظومة التربوية يبدأ من إجراء “الدراسات التربوية التشخيصية”، وليس عبر استنساخ تجربة لدولة معينة من خلال زيارة لوكيل وزارة.

ويقول “في علم استراتيجيات التغيير يتم التمييز بين نوعين من التغيير: الأول تغيير مخطط في مقابل تغيير طارئ، والمعتمد على الارتجال، بحيث يفتقر إلى الرؤية التي تصنع أهدافا استراتيجية يعمل الجميع على تحقيقها ضمن سقف زمني واضح”.

ويضيف “الإصلاح والتطوير في العالم ليس شعارا للاستهلاك الإعلامي، بل قناعة قومية. على سبيل المثال: قام رئيس وزراء اليابان بتشكيل ‘المجلس الأعلى للإصلاح التربوي’ المرتكز على إجراء البحوث والدراسات لتشخيص مكمن الخلل. وكذلك فعلت أميركا عبر ‘اللجنة القومية للتفوق في التعليم’، حيث عرضت نتائج دراستها على وزير التربية الأميركية في التقرير المشهور: أمة معرضة للخطر (anation).

منصور القطري: التطوير ليس للاستهلاك الإعلامي، بل قناعة قومية
منصور القطري: التطوير ليس للاستهلاك الإعلامي، بل قناعة قومية

ويرى القطري أن أول خطوات التغيير تكمن في إجراء دراسة مسحية ميدانية للوزارة لرصد الواقع ومعرفة نقاط القوة والضعف فيها. ويستدعي مثالا من خلال الخطوة العاجلة التي تمت لإصلاح التعليم الأميركي، حيث توصلت الدراسة إلى أن المعلم كان عقبة بحسب تشخيص الدراسة الميدانية، فتمت معالجة الخلل بخطوات علمية كتأهيل وتدريب المعلمين، وتصميم نظام امتحان الكفاية، وكذلك إعطاء المعلم المكانة والتحفيز اللائقين به.

ويختتم القطري حديثه مع “العرب” بالقول “إن الإصلاح والتغيير مرتبط بمؤشرات ضرورية على النحو التالي: “الفشل في تحقيق الأهداف الإستراتيجية + تدني مستوى المخرجات التعليمية + غياب مهارات التفكير الناقد + عدم إعفاء غير الأكفاء”. ويضيف “النقطة الأخيرة قاصمة للظهر فقد عششت خلال الأربعين سنة الماضية فئة متزمتة محافظة وقفت ضد التطوير والإصلاح. ومعلوم أن الثقافات المتزمتة تحتمي بالسكون والرتابة، وتتوجس من أي جديد، وتتسلح بالعقلية التآمرية وثقافة سد الذرائع، والتي شكلت في تقديرنا ثقافة تحتية، ومنهجا ممانعا خفيا لكثير من قرارات الإصلاح والتطوير في المنظومة التعليمية والتربوية بشكل عام”.

أما ، الكاتب نواف السالم الحاصل على الدكتوراه في فلسفة الإدارة التربوية فيقول “يظل التعليم وتطويره قضية محورية للدول التي تريد التقدم والازدهار، وكل الدول المتقدمة تراجع وتقوم بتقييم أنطمتها التعليمية، وكما يقول المثل الإنكليزي “إذا أردنا أن نتقدم علينا أن نعدل”. والتعليم قضية مجتمع وليس استراتيجية وزارة أو حكومة، وإنما هو ستراتيجية دولة وأمن قومي. والسعودية تدرك أهمية تطوير منظومة التعليم والإرادة السياسية متوفرة وفاعلة من أجل الارتقاء بالتعليم ورؤية الوطن 2030 تؤكد على محورية التعليم، وبرنامج التحول الوطني2020 يؤكد على تطوير التعليم ومواكبته للتحولات التي تشهدها السعودية في كل مجالات التنمية”.

نواف السالم: يظل التعليم وتطويره القضية المحورية للدول التي تريد التقدم والازدهار
نواف السالم: يظل التعليم وتطويره القضية المحورية للدول التي تريد التقدم والازدهار

ويرى السالم أن التعليم السعودي يشهد هذا العام نقلة تطويرية تمثلت في عدة مجالات منها؛ مدارس الطفولة المبكرة في ألف وأربع مئة مدرسة، وإسناد التدريس في هذه المرحلة إلى المعلمات لأن طبائعهن تتناسب مع التدريس في هذه المدارس، وتطوير رياض الأطفال، وإقرار مواد دراسية: الفلسفة والتفكير النقدي والقانون.

ويضيف “في إطار تطوير المعلم والسعي لتمهين التعليم كانت موافقة مجلس الوزراء على لائحة الوظائف التعليمية وسلم الرواتب ورتب المعلمين -والتي بإجراء بعض التعديلات عليها من خلال آراء وملاحظات الميدان- ستكون نقلة نوعية لتطوير التعليم، وأيضا رؤية 2030 ستسهم في تحديد شكل الإنسان السعودي ومواصفاته، وهذا يصب في فلسفة التعليم ونظريته ومحتواه”.

ويختتم حديثه بالقول “تطوير المنهج والتعليم عملية معقدة ومستمرة ويمكن لمعرفة مدى فاعلية المنهج وتحليله لا بد من توفر معايير من خلالها نستطيع تقييم مناهجنا السعودية ومن المعايير: مدى اهتمام المناهج بالوطنية والمواطنة، واحترام التنوع، والتعدد في المجتمع، ومدى اهتمام المناهج بالتفكير النقدي والإبداع، ومدى اهتمام المناهج بحقوق الإنسان والمرأة، ومدى اهتمام المناهج بنبذ الفكر المتطرف والتعصب ومواجهته، ومدى اهتمام المناهج بالتذوق الجمالي والفن، وقضايا الإنسان والذكاء العاطفي، وأنسنة التعليم، وقضايا العمل والبيئة”.

13