التعليم العالي… هدم أسس العراق المعرفي!

الثلاثاء 2016/09/20

خلال عقد ونيف تضاعف عدد حملة شهادتي الماجستير والدكتوراه إلى أضعاف مضاعفة، بعد أن طغت موجة الألقاب العلمية، التي كانت قبل 2003، حكرا على أعضاء حزب البعث الحاكم، بالإضافة إلى الطبقات المقربة منه، وبشكل أقل الأكاديميون المستقلون.

اليوم يقف العراق وفيه جيش من حملة الألقاب العلمية، نما نموا يشبه كثيرا نمو ظواهر الفساد والإرهاب والقتل، لكنه الصورة الأخرى في المشهد، التي تقاربها عبر قتل المعرفة في البلاد، وتدمير أسس أيّ نهضة مستقبلية قد تولد من رحم الأكاديمية العراقية.

فالتصور الذي يرى أن الانحطاط السياسي، يبقى محصورا في نخبة حاكمة، تصور خاطئ تماما، فهو يستتبع بالضرورة انحطاطا متتاليا في كل تشكلات المجتمع.

الانحطاط الكبير الذي تعيشه البلاد، يظهر في كل أوساط المجتمع، فسنوات قليلة جدا قادت إلى أن ينشأ جيل “أكاديمي”، وهنا استعارة فقط، لا يفقه شيئا من روح هذه المهنة، ولا يملك أدنى المؤهلات لها.

سنوات قليلة جدا، وإذا بالجامعات العراقية التي صارت تنافس المساجد والحسينيات بأعدادها، تصبح مكانا لإضفاء الشرعية “العلمية” هذه المرة على الآلاف من المزورين، وأنصاف المتعلمين، وتصبح ممرا سهلا إلى نيل المناصب السيادية في البلاد التي تتقاسمها أحزاب مرتبطة بدول إقليمية ودولية.

عدة أعوام، وأصبح اللقب العلمي يباع بأسعار زهيدة جدا، وصار لقب “دكتور” يحمله من لا يمتون أبدا للواقع العلمي، ولم يكونوا يوما جزءا من الأكاديمية العراقية بأصولها وصرامتها المعهودة، بل صار لقب “الدكتور الدمج” شائعا في الأوساط الجامعية العراقية، وصارت رسائل وأطروحات الدكتوراه والماجستير، تباع من أصحاب المكتبات أو ممن لهم القدرة على التأليف كأيّ سلعة أخرى، فالكثير ممن نالوا هذه الشهادات استعانوا إما بأكاديميين متقاعدين، وإما بأدباء اضطرتهم الظروف الصعبة إلى أن يخونوا رسالة العلم، وراحوا يكتبون لهؤلاء بحوثا وأطروحات هشة للغاية، ولا سيما تلك المتعلقة بالجانب الإنساني منها، فهي الأكثر تضررا بحسب مختصين من الجانب العلمي، ومن نسبة الألقاب العلمية الممنوحة في الأكاديمية العراقية، يشكل حملة الألقاب في الجانب الإنساني الحصة الأكبر، لغياب القواعد العلمية الصارمة، وغياب التجربة العلمية المطلوبة للباحث، فأصبحنا أمام واقع أكاديمي مزرٍ للغاية، وأصبحت الجامعة العراقية مكانا للإفساد العلمي، أكثر من كونها منارا للعلم.

الفساد العراقي بتفاصيله المملة والمتشعبة، أصبح من القوة والتأثير، مما مكنه من أن يقود إلى تدمير كل الهياكل التي بقيت من الدولة، وصار يمتدّ إلى أسسها ليقضي على آخر جذر لها يمكن أن يعيد إنتاجها، فإفساد التعليم بعد أن طال كل المفاصل، هو الضربة القاسية الأكثر تدميرا للدولة، أو لنقل لحلم استعادة بناء دولة جديدة قائمة على أسس صحيحة.

كاتب من العراق

17