التعليم العالي جسر إلى مستقبل الاقتصاد المعرفي

الثلاثاء 2015/04/21

إذا كان النفط والصلب هما اللذين حددا ملامح القرن العشرين، فإن سوق الاقتصاد الرقمي هو الذي سيرسم صورة القرن الحادي والعشرين، بعد أن أبهرت ابتكارات مطلع هذا القرن العالم ونقلته إلى آفاق جديدة.

لم يعد بالإمكان فصل التعليم عن الاقتصاد، حيث أصبح الاقتصاد المعرفي هو الاقتصاد الجديد. وتملك الكثير من البلدان العربية مقومات كثيرة في هذا المجال تمكنها من تنويع مصادر الدخل، لكن التحديات الحالية تفرض إعادة رسم ملامح المستقبل.

نحن بحاجة للانتقال من العمل الفردي إلى العمل الجماعي، والانتقال من محدودية التنافس المحلي والإقليمي إلى العالمي، والانتقال من المرحلة الانتقالية إلى المرحلة التنافسية.

على سبيل المثال لا تزال مساهمة القطاع الخاص غير النفطي في دول الخليج محدودة رغم النمو الذي سجلته في السنوات الماضية، ولا تزال الصادرات السلعية عاجزة عن مجاراة الواردات السلعية، التي تزيد عليها بنحو 3 مرات.

وتبدو دول الخليج عازمة على رفع مساهمة قطاعها الصناعي من 10 إلى 25 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2020، وهو ما يتطلب رفع الاستثمار من 323 مليار دولار إلى تريليون دولار.

الخليج كسوق إقليمية تحتاج إلى 2.4 تريليون دولار حتى عام 2025 لتطوير البنى التحتية، وهي تمتلك أموالا سيادية تبلغ نحو 3 تريليونات دولار.

ولتحقيق ذلك، يجب أن تكون هناك مظلة تستند إليها المنشآت الصغيرة والمتوسطة باعتبارها المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي، فهي تمثل 50 بالمئة من إجمالي المشروعات القائمة في السعودية، مقارنة بنحو 97 بالمئة في الولايات المتحدة و80 بالمئة في الصين.

لا تزال نظرة البنوك إلى إقراض تلك المشاريع تقتصر على الربحية، وهي بحاجة إلى مظلة تحميها وتشجعها وتنظر إليها كأساس للتنمية الاقتصادية وخلق فرص عمل جديدة.

ينبغي الاهتمام بمخرجات التعليم العام والتعليم العالي كي تخدم الاقتصاد المعرفي، لأن التعليم أصبح عملية شاملة تمتد إلى ميادين الابتكار والاختراع .

لذلك تتطلب المرحلة تطوير الجامعات التقليدية كي تعتمد المعايير العالمية، ما يفرض مثلا، أن تتخلص الجامعات من الأكاديميين الوهميين، وأن يتماشى أساتذة الجامعات مع الواقع وما يفرضه من معايير جديدة، لا تعترف بحدود التعليم التقليدي، كي نتمكن من مجاراة ما هو متاح في جميع أنحاء العالم.

على الجامعات أن تتخلى عن الأساليب التجميلية التي تهدف فقط إلى رفع تصنيفها. فحين تقوم جامعات سعودية مثلا بتسجيل باحثين عالمين باسم الجامعة من خلال إنفاق الكثير من المال وبرواتب ضخمة جدا، دون أن يكونوا قد دخلوا البلاد أو ساهموا في تنمية البحث العلمي، فإن ذلك أشبه بعملية تزوير. وفي أفضل الحالات يكونون قد دخلوا السعودية مرتين في السنة لفترات محدودة تصل إلى أسبوع واحد فقط.

بدل ذلك عليها أن ترتقي بالمستوى الأكاديمي فعليا، وأن تختار العلماء، الذين يرفضون قبول المال مقابل التنازل عن الهيبة العلمية لأنهم يعتبرون ذلك عرضا غير أخلاقي.

على الجامعات أن تنفق تلك الأموال على البحث العالمي والشروع في إقامة علاقات تعاون قوية مع غيرها من الجامعات العالمية ومراكز البحوث والمؤسسات الرائدة في جميع أنحاء العالم، لتتمكن من تغيير واقع الجامعة، بدلا من إنفاق الأموال لرفع شكلي لتصنيفها العالمي.

التعليم العالي في المنطقة، أمام استحقاقات كبيرة، في مرحلة مهمة من عمر المعرفة ومتطلباتها التي تغيرت كثيرا في السنوات الأخيرة، لأن التقنيات الحديثة هي التي تحدد مسار النهضة العلمية والبحثية، من خلال خطوات عملية ونوعية تواكب التطور العالمي.

نجاح الجامعات في القرن الواحد والعشرين ليس مقرونا فقط بنجاح أساتذتها، وإنما بمسؤولياتها تجاه التعليم العام والمجتمع، لذلك يعتبر التعليم العام مقياسا لتفوقها حين يبدأ في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، ويرتبط بالابتكار في المرحلة الثانوية حتى نتمكن من توفير الكفاءات وتنمية روح الابتكار في الجامعات وهو الاستثمار الحقيقي في العقول.

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة

11