التعليم الكنسي يحيد عن أدواره المحورية في مدارس الأحد المصرية

مدرسة الأحد في مصر هي اجتماع كنسي يعقد بعد انتهاء القداس الإلهي في الكنائس، بما يناسب بعض المدارس والجمعيات القبطية التي تكون العطلة الرسمية فيها يوم الأحد، وبسبب ظروف عمل بعض الأقباط وإجازات المدارس الحكومية والخاصة تم تغيير موعد عقدها في بعض الكنائس من يوم الأحد إلى يوم الخميس أو الجمعة، وهو ما حدا بالبعض إلى تغيير اسمها إلى التربية الكنسية أو “كنيسة الغد”.
الثلاثاء 2017/06/20
الأنشطة الترفيهية أداة لاجتذاب الطلاب

القاهرة - دعت القيادات الكنسية في مصر إلى إعادة الاهتمام بمدارس الأحد وإلى تجديد خطابها بعد ما بدا ملحوظا من مظاهر مثل الإلحاد والتمرد في أوساط الشباب القبطي وجهل الأطفال لدينهم، وهو الدور الذي كانت تلعبه مدارس الأحد لعقود حيث نشأت فكرتها منذ 117 عاما.

وخلال دروس هذه الاجتماعات يتم الاهتمام بتفسير مناهج تضعها أسقفية الشباب برئاسة الأنبا موسى (أسقف الشباب بالكاتدرائية المرقسية بالقاهرة) وتتوافق مع الأعمار المختلفة. ولكل كنيسة منهج مستقل ثابت دينيا ومتغير اجتماعيا بحسب المنطقة الموجودة فيها. ويكون الكتاب المقدس والطقوس والعقيدة المسيحية مرجع هذه المناهج.

وقصرت بعض الكنائس مدرسة الأحد على أطفال المرحلة الابتدائية وما قبلها، نظرًا لوجود اجتماعات أخرى مخصصة لبقية الأعمار وهيئات مسيحية عملها توحيد الكنيسة وإيصال التعاليم المسيحية إلى جميع الناس، مثل اجتماع شباب المرحلة الإعدادية في التعليم، وشباب المرحلة الثانوية، وأغصان الكرمة، وجنود مريم.

وأدركت الكنيسة أنها إذا لم تعضد فصول الأطفال في مدرسة الأحد بالوسائط اللازمة فسينصرفون عنها عندما يصيرون شبابا في المستقبل.

وقال حنا موريس -كاهن بكنيسة العذراء بالقاهرة- لـ“العرب” إن رجال الدين اكتشفوا أهمية العودة إلى الجذور لمواجهة الظواهر الغريبة التي طرأت على المجتمع من خلال الاهتمام بأطفال مدارس الأحد.

وأشار الكاهن إلى أن هناك لجنة عامة مركزية لمدارس الأحد دورها اختيار الخادم أو الخادمة الصالحة للتدريس والقيام بإعداد منهج موحد للدروس اللازمة على مدار السنة والمأخوذة من الإنجيل طبقاً للمواسم الكنسية، وتحضير الصور المناسبة كوسيلة من وسائل الإيضاح، وتوفير أماكن جاذبة للتعليم في الكنائس.

ولا يتوقف الأمر عند الدراسة حتى لا يمل الأطفال، فهناك على مدار السنة برامج تتضمّن الصلاة والتسبيح والتمثيليات الدرامية وغيرها، ويتم ذلك في المناسبات الخاصة كعيد الميلاد وعيد الفصح وعيد الأم وغيرها.

وتجهز الكنيسة مخيمات صيفية لاستقبال أولاد مدارس الأحد بعد انتهاء العام الدراسي، تتخللها نشاطات ترفيهية متنوعة، بالإضافة إلى اصطحابهم في زيارات لمؤسسات ذوي الاحتياجات الخاصة ودور الأيتام.

وقالت مارينا أسعد -إحدى الخادمات المكرسات بكنيسة سانت تريز بالقاهرة- لـ“العرب” إنها تربت منذ طفولتها في مدارس الأحد على يد والدها الذي كان شيخًا في الكنيسة. وأوضحت أنها عملت بعد تخرجها منذ 23 عاما كمعلمة في هذه المدارس، حيث تتولى الوعظ أحيانًا وتقدم خدمات روحية كغرس القيم والمبادئ المسيحية للمخدومين الصغار.

منذ أن صارت المدارس تحت الإشراف الكهنوتي المباشر فقدت استقلاليتها وهويتها كحركة علمانية شعبية

وبدأت مدارس الأحد بفكرة للأستاذ حبيب جرجس في عام 1900 بكنيسة العذراء في القاهرة، حيث كان يجمع الأطفال ويدرسهم قصصا من الكتاب المقدس كان يعيد كتابتها بنفسه، وانضم إليه كثيرون وامتدت خدمة مدارس الأحد إلى بعض الأقاليم.

ولم يكن لرجال الإكليروس (الدين) شأن بها، بل وقف بعضهم في عقودها الأولى موقف المتحفظ، لكن مع مرور الوقت تراجع الدور الذي أنشئت من أجله بعد أن صارت المصدر الرئيسي للكهنوت والرهبنة.

وأوضح الباحث القبطي يوسف إدوارد أن قادة مدارس الأحد كانوا على يقين من أن الدعوة الإصلاحية لن يكتب لها النجاح ما لم يتم اختراق الرهبنة باعتبارها نقطة القوة في الكنيسة، وأن مدارسهم ستكون جسرا للعبور إلى المناصب القيادية وليس كليات اللاهوت كما هو معمول به في الخدمة الكنسية.

وقام البابا الراحل شنودة الثالث في بداية عهده بتعيين عدد كبير من قادة مدارس الأحد كهنةً على كنائس القاهرة وهو ما أضعف قوة المراكز القيادية فيها. ومنذ ذلك الوقت باتت المدارس تحت الإشراف الكهنوتي المباشر ما أفقدها هويتها كحركة علمانية شعبية.

وتضخمت تلك المدارس مؤسساتيّا داخل الكنائس وباتت تقدم الكثير من الخدمات للأطفال والشباب وتجعلهم لا يحتاجون إلى المجتمع الذي يحيط بالكنيسة فأصبحوا ينظرون إليه بتوجس معتقدين أن الأمان يتحقق داخل فصول مدارس الأحد وأسوار الكنائس فقط، وهو ما ساهم في عزلة الأقباط عن المجتمع وجعلهم أشبه برعايا للكنيسة وليسوا مواطنين.

جرجس أبانوب -صاحب محل لبيع زي الكنائس- أصر على ذهاب ابنه الوحيد إلى مدارس الأحد بشكل منتظم، مشيرا إلى أن سبب إصراره أن مناهج تعليم الدين المسيحي في المراحل الدراسية المختلفة في مصر غير متكاملة وينقصها الكثير من التعاليم الدينية والحقائق الإيمانية.

وقال لـ“العرب” إنه في البداية كان سعيدا بسبب التصاق ابنه بالكنيسة، ورغم أن الطفل كان يستمتع بشرح خدام الكنيسة للدين المسيحي إذ كانوا يستعينون بوسائل مناسبة لسنّه، مثل عرض أفلام الكارتون المسيحية ومسرحيات الأقنعة والشخصيات الكارتونية، ووفرت له الكنيسة كل وسائل الترفيه مثل ملاعب كرة القدم والتنس، وكل ما احتاج إليه وجده داخل مجتمع الكنيسة، فإن هذه الطريقة في التعليم زرعت داخل ابنه الخوف من الآخر ما دفعه إلى الاحتماء بصداقة أبناء عقيدته وحدهم والاكتفاء بالعلاقات السطحية مع المختلفين معه وسار على نفس المبدأ الانعزالي في المدرسة.

ولم يتخل الابن عن عزلته حتى عندما كبر ودخل الجامعة، فكان دائما يجلس في المكان المخصص للطلاب الأقباط بالجامعة حيث لم يبتعد عنهم طوال سنوات دراسته.

ورأى متخصصون في الشأن القبطي أن الأسلوب الذي اتبعه القساوسة في تلك المدارس كان سببا في عزلة الآلاف من الشباب القبطي عن المجتمع، لكن الأنبا بسنتي أسقف حلوان والمعصرة أكد لـ”العرب” أن الكنيسة منفتحة على الآخر، والأقباط مندمجون في المجتمع المصري، واتهم من يتحدثون عن عزلة الأقباط بأنهم يحاولون التفرقة بين أبناء الشعب الواحد.

وأعلن مثقفون أقباط أن مدارس الأحد ترتكب جريمة في حق الأطفال وتحشو أدمغة القاصرين بأوهام معلومات مغلوطة.

ورأى مينا بيشوي -خادم في مدارس الأحد بالقاهرة- أن سبب تراجع الدور الذي كانت تقوم به هذه المدارس هو أن الخُدام يعانون من قلة الموارد التي تمكنهم من إطلاق قدراتهم الإبداعية وإيصال المعلومة إلى الأطفال بشكل مبسط.

17