التعليم المبكر ينمّي قدرات الطفل في التواصل الاجتماعي

الخوف من إدخال الطفل إلى المؤسسات التربوية مبكّرا يجعله منطويا، والمختصّون يوصون بأن ألاّ تكون المادة العلمية المقدّمة للطفل كثيفة أو لا تتناسب مع عمره.
الأحد 2018/10/14
الخطوات الأولى الصحيحة تضمن مستقبل الطفل

تخاف الكثير من الأسر وخاصة الأمهات عند خروج الطفل للمجتمع وتخشى الكثير منهن أن يجد أبناؤهن صعوبات في الاندماج مع المحيطين به في الإطار العائلي الموسع أو في المؤسسات التعليمية وفي المجتمع بصفة عامة. وهو ما يدفع العديد من الأسر إلى الحرص على الخروج مع الطفل منذ شهوره الأولى ووضعه في رياض الأطفال عندما يكبر، لكي يسهل عليه الابتعاد عن أمه وعن أجواء البيت ويندمج مع أقرانه والمحيطين به.

القاهرة – توجد العديد من الفترات الحساسة والمهمة في حياة الطفل منذ ولادته وهذه الفترات تلعب دورا أساسيا في تكوين شخصيته ونموه المتوازن وقد تقع العديد من الأمهات في أخطاء تربوية بصفة عفوية لكثرة حبهن لأبنائهن فتخفن عليه من الآخر وتحبسنه في أحضانهن، ولا تعين خطورة هذه السلوكات إلا عندما يكبر ويصبح شخصا منطويا على ذاته عاجزا على التواصل مع الآخرين.

تقول الدراسات العلمية إن الذكاء العاطفي لدى الطفل يتطور بين عمر 6 و18 عاما، وتلك السنوات تؤثر في اكتسابه مهارات وقدرات خاصة، كالثقة بالنفس والدافع الذاتي والسيطرة على النفس والمتابعة والاستمرار عند بدء عمل ما، والقدرة على تحويل الشعور السلبي إلى شعور إيجابي. وخلال الفترة من 5 إلى 7 سنوات تتطور قدرة الطفل اللغوية، وتنتهي فترة تعلم المهارات المكتسبة عند بلوغه العشر سنوات تقريبا كتعلّم الموسيقى.

وتؤكد أستاذة أصول التربية بجامعة عين شمس سناء أحمد سلامة، على المزايا المعرفية لكلٍّ من برامج ما قبل الروضة التي تساعد الأطفال في سن 4 سنوات، وبرامج التعليم المبكر التي تخدم الأطفال الذين تتراوح أعمارهم من سنة إلى 3 سنوات وعائلاتهم. وتفيد برامج ما قبل الروضة معظم الأطفال، خاصةً أطفال الأسر ذات الدخل المتدني، وتساعدهم في الكثير من مجالات الاستعداد للمدرسة. كما أنّ برامج التعليم المبكر تؤدي إلى ارتفاع معدل النمو الاجتماعي – الانفعالي، وتفيد آباء الأطفال أيضًا.

وتضيف سلامة أن “برنامج ما قبل الروضة يعمل على مشاركة الآباء في أنشطة أطفالهم في المدرسة والمنزل، وقد اكتشفنا أن الأطفال الذين لم يشاركوا في برامج ما قبل الروضة لم يكن أداؤهم جيدًا في اختبارات المعرفة التي تقيس مهارات القراءة وما قبل القراءة، ومهارات ما قبل الكتابة والتهجئة، ومهارات التفكير الرياضي وحلّ المشكلات، مقارنة بالذين شاركوا في برامج ما قبل الروضة”.

وحسنت برامج ما قبل الروضة درجات الاختبار ومهارات الأطفال، وفق مقاييس المعرفة واللغة، والنمو الاجتماعي والانفعالي، وقورِن آباء الأطفال المشاركون في برامج التعليم المبكر بالآباء الذين لم يشارك أطفالهم في هذه البرامج من حيث علاقتهم بأطفالهم، فكان هناك ارتباط وثيق بين الآباء وأطفالهم عندما يتفاعلون معهم.

ويرى استشاري الدراسات النفسية عبدالعزيز حسن أن الرعاية والاهتمام اللذين يحظى بهما الطفل في السنوات الثماني الأولى من حياته، لا سيما خلال السنوات الثلاث الأولى، تؤدي دورا حاسما في نمو الطفل، وتؤثر فيه طوال حياته، ويتعلم الأطفال بسرعة منذ لحظة ولادتهم، وهم يتعلمون بشكل أسرع عندما يحظون بالحب والاهتمام والتحفيز، بأشكاله كافة، فضلا عن الرعاية الصحية السليمة. بالإضافة إلى أن تشجيع الأطفال على اللعب والاكتشاف يساعدهم على التعلم والنموّ اجتماعيّا وعاطفيا وبدنيا وفكريا.

الأطفال الذين تواجه تصرفاتهم بالسخرية من قبل الكبار، أو يتعرضون للعقوبة أو التجاهل، يصبحون خجولين

ويتعلم الأطفال السلوك عن طريق تقليد سلوك أقرب الناس إليهم مما يستدعي أن يحذر الكبار في تصرفاتهم أمام الأطفال، ويجب على الوالدين ومقدّمي الرعاية أن يعرفوا علامات الخطر التي تشير إلى تأخر نموّ الطفل.

ويشير عبدالعزيز إلى أنه “ينبغي للأمهات احتضان أطفالهن ومعانقتهم واللعب معهم، لأن ذلك يحفّز النموّ ويعزز التطور العاطفي، وكذلك يجب العناية بالرضاعة الطبيعية التي تزوّد الرضيع بالأمن والاطمئنان، كما تنصح الأمهات بفهم انفعالات الأطفال لأنها حقيقية وقوية، وقد يشعرون بالإحباط إذا عجزوا عن عمل شيء ما أو الحصول على شيء يريدونه”.

أما الأطفال الذين تواجه تصرفاتهم بالسخرية من قبل الكبار، أو يتعرّضون للعقوبة أو التجاهل، فيصبحون خجولين وغير قادرين على التعبير عن عواطفهم، وإذا ما تحلّى مقدّمو الرعاية بالصبر والتعاطف عندما يعبّر الطفل عن انفعالات قوية، فمن المرجّح أن ينمو الطفل أكثر سعادة وتوازنا. كما أن العقاب البدني أو إظهار العنف يعيق نموّ الطفل.

أما دور الأب فيعدّ دورا مهما على نحو خاص، إذ بوسعه أن يلبّي احتياجات الطفل من الحب والحنان والتحفيز وتوفير بيئة آمنة وخالية من العنف.

وهو ما يحتم على المحيطين بالطفل أن يشجعوه على اللعب والتفاعل الاجتماعي، والانتباه إلى تأخر النموّ النفسي والجسدي مع دفعه للتحدث إلى الأصدقاء والإنصات إليهم، وتوفير بيئة اجتماعية تربوية سليمة مليئة بالودّ، وتنمية قدراتهم في النطق والحركة.

من جانبه يقول أستاذ الدراسات الاجتماعية بجامعة حلوان أسامة أبوالنصر “إن التعلّم المبكّر للطفل لا شك له سلبياته وإيجابياته، فربما يشعر الطفل أنه يواجه عالما غريبا لا يستطيع أن يتكيّف معه، ويشعر بالغربة داخل المدرسة والحنين إلى البيت، ويستغرق في البكاء كونه لم يتعود إطلاقا على الابتعاد عن أسرته وبيته ومازال مرتبطا بأمه وقد يتطلب ذلك وقتا حتى يتعود على التجربة”.

ومن جهة أخرى فإن التعليم المبكّر للطفل يساهم في تطوير شخصيته ويعلّمه معنى الالتقاء برفقاء المدرسة وكيف يتعامل معهم، ويعبّر عن ذاته وهنا لا بد للمعلمة القائمة على تعليم الطفل أن تتميّز بالصبر والتسامح والحنان والثقافة حتى لا تسبّب صدمة شعورية للطفل إذا كانت قاسية في سلوكها معه.

ويدعو أبوالنصر إلى الاهتمام توفير الألعاب التربوية التي تخاطب ذهن الطالب والألعاب الرياضية البسيطة التي لا تعترضه صعوبة في ممارستها، كما أن الفضاء التربوي يحبّذ أن يكون جذّابا وفيه الألعاب الآمنة حيث يمكن للطفل أن يمارس حياته فيه بأمان ومتعة.

ويوصي المختصّون في علم النفس والتربية ألاّ تكون المادة العلمية المقدّمة للطفل كثيفة أو لا تتناسب مع عمره واهتماماته، لذلك ينصحون بإعداد المنهج المناسب ليعلّم الطفل مهارات في الحياة، ولا تقوم على الحفظ والتلقين وإنما على التفكير وحلّ المشاكل وتعزيز الهوايات، وبذلك يحقق التعليم المبكر للطفل مزاياه وأهدافه طالما توافرت له العناصر التربوية الضرورية التي تساعد الطفل على النموّ بدنيّا وذهنيّا.

21