التعليم المغربي بات في خطر

تبنت المملكة المغربية العديد من الخطط اعترافا منها باختلال المنظومة التربوية وبالحاجة الملحة إلى إصلاحها. ويعاني التعليم المغربي في جميع مراحله من تدني مستوى الطلاب وضعف التحصيل المدرسي. وأفضت دراسة صادرة عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في الرباط إلى نتائج صادمة مفادها أن التعليم المغربي أصبح في خطر.
الثلاثاء 2017/03/07
في انتظار إصلاح شامل

الرباط - قدم تقرير حول البرنامج الوطني لتقييم مكتسبات تلامذة الجذع المشترك (السنة الأولى من التعليم الثانوي التأهيلي) بمؤسسات التعليم المغربية للعام 2016 مجموعة من الأرقام كشفت ضعف مكتسبات الطلاب في المدارس المغربية. وأكدت رحمة بورقية مديرة الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، أن واقع التعليم بالمغرب في خطر. وأشارت إلى أن المدرسة في حاجة إلى تعبئة شاملة من أجل إعادتها إلى سكة الإصلاح.

واعتبرت النتائج المعلنة صادمة للرأي العام وللأسر المغربية ولم تجد الترحيب من رئيس الحكومة المكلف، عبدالإله بنكيران الذي رد عليها في لقاء بالمدرسة الوطنية العليا للمعلوميات وتحليل النظم بالرباط، قائلا إن “تعليمنا ليس بتلك الصورة السوداوية التي يسوقها البعض ويسيئون إليه”.

ولكن رئيس المجلس عمر عزيمان، قال إن هذه التقارير المخيفة لا يهدف من ورائها مجلسه إلى أن “تصدم المجتمع والرأي العام، بل إن الهدف أن نتجاوز الوضع”، الذي تعانيه المنظومة التربوية في المغرب.

وشارك في الدراسة التي اعتمدها المجلس في أعماله التقييمية أكثر من 34 ألف تلميذ وتلميذة من المدارس الحكومية وكذلك من المدارس الخاصة. وشملت العينة أكثر من 4.500 مدرس أجابوا على أسئلة الاستمارة الخاصة بالأساتذة، وكذا 543 مديرا ومديرة مشرفين على تسيير المؤسسات التعليمية. ولم تكتف الدراسة التي قام بها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بتجميع نتائج التلاميذ المدرسية لتقييم مكتسباتهم الدراسية والبحث في الأبعاد التربوية والتدريبية بل شملت جوانب أوسع في تحليلها لضعف مكتسبات التلاميذ وبحثت في الأبعاد الاجتماعية والأسرية والوضع المادي للأولياء في محاولة للإحاطة بكل جوانب حياة الطالب لتحديد مواطن الضعف والعوائق التي تحول دون تفوقه.

التعليم يخضع لرهانات ذات نزعات أيديولوجية، وتتجاذبه أطراف سياسية متعددة ما ينعكس على الرؤية التي تؤطر الإصلاح

وجاء في تفاصيل التقرير أن 98 بالمئة من تلامذة الجذع المشترك ينتمون إلى أسر فقيرة والطبقة الوسطى، أما التلامذة المنحدرون من أسر ميسورة فيمثلون نسبة 2 بالمئة فقط. وأشار التقرير إلى أن 17 بالمئة من التلاميذ آباؤهم موظفون و14 بالمئة فلاحون و13 بالمئة يشتغلون في أعمال تجارية.

كما أظهر التقييم أن 6 بالمئة من التلاميذ آباؤهم عاطلون عن العمل و5 بالمئة آباؤهم لا يتوفرون على عمل قار، وأن 9 بالمئة آباؤهم متقاعدون، كما لم يتمدرس آباء ثلثهم، في حين تتجاوز نسبة عدم تمدرس الأمهات النصف.

أما من ناحية التحصيل العلمي بحسب المواد الدراسية فقد كشفت رحمة بورقية عددا من الإحصائيات الخاصة بمكتسبات تلامذة الجذع المشترك، وذكرت أن تلامذة الآداب والعلوم الإنسانية في التعليم العمومي لم يكتسبوا الكفايات اللغوية، خاصة في اللغتين العربية والفرنسية المطلوبة في المنهاج الرسمي في حدها الأدنى. كما أكدت أن أدنى مستوى مسجل هو الذي يهم اللغة الفرنسية، إذ لم يتجاوز وطنيا 23 بالمئة من الأهداف المحققة في التعليم العمومي.

وأكد حسام هاب نائب مدير المركز المغربي للشباب والتحولات الديمقراطية في حديث لـ“العرب” أن إعادة الاعتبار إلى التعليم العمومي ورفع جودته مرهونان بجعل المؤسسة التعليمية في صلب الاهتمام بالنظام التربوي من خلال التنزيل المتدرج لاستقلالية المؤسسات التعليمية في التدبير مع تقوية علاقة المؤسسة بمحيطها.

ويرى حسام هاب أن اعتماد الحكامة في قطاع التعليم ضرورة ملحة من خلال تعبئة الطاقات البشرية والوسائل المادية مع استعمالها بشكل أمثل؛ حكامة مبنية على مبدأ التخطيط والبرمجة الدقيقة مع وضع أهداف واضحة وجدولة للإنجازات، بالإضافة إلى تكريس ثقافة التقييم، إلى جانب الارتقاء بمهام المدرسة العمومية وأدوارها وذلك بإعادة النظر في نوعية ومناهج ومقاربات التعلم وفي الممارسات التعليمية وفي أشكال التنظيم واشتغال المؤسسات التعليمية.

وجاء في الإحصائيات التي قدمتها مديرة الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، أن المعدلات الدنيا تنطبق كذلك على مكتسبات التلاميذ في مادة الرياضيات، التي كانت ضعيفة جدا، إذ لم يتجاوز معدل تحصيلها 38 بالمئة على المستوى الوطني. كما جاءت معدلات تحصيل تلامذة مؤسسات الوسط الحضري أدنى من معدلات زملائهم بمؤسسات الوسط القروي.

وفي هذا الصدد أكد حسام هاب، أن هناك حساسية في العلاقة بين الفعل السياسي الحزبي وإصلاح التعليم العمومي؛ لأن التعليم يخضع لرهانات ذات نزعات أيديولوجية، وتتجاذبه أطراف سياسية متعددة المشارب والمداخل ما ينعكس على الرؤية العامة التي تؤطر فلسفة الإصلاح وخلفيات الفاعلين الرئيسيين، والدليل على ذلك أنه غالبا ما تأتي الإصلاحات في سياقات تحولات سياسية.

السلطات المغربية قامت بإعداد مخطط استعجالي يضم الفترة ما بين عامي 2009 و2012، وذلك لإعطاء الإصلاح فرصة أخرى لتجاوز السلبيات التي تتخبط فيها المنظومة التربوية

ويضيف هاب أن هذا ما يعطي الانطباع بأننا سنستمر في الإخفاق ما دامت أسبابه قائمة، وما دمنا لم نحسم في الاختيارات الكبرى للتحولات السياسية، والانتقال نحو ديمقراطية حقيقية تأخذ بعين الاعتبار متطلبات وحاجيات المجتمع.

وكانت السلطات المغربية قد قامت بإعداد مخطط استعجالي يضم الفترة ما بين عامي 2009 و2012، وذلك لإعطاء الإصلاح فرصة أخرى لتجاوز السلبيات التي تتخبط فيها المنظومة التربوية، باعتماد بيداغوجيا الكفايات والإدماج، ومحاربة الهدر المدرسي، وتشجيع جمعيات دعم مدرسة النجاح.

وفي نفس الإطار أصدر المجلس الأعلى للتعليم والتكوين المهني والبحث العلمي رؤية إستراتيجية لإصلاح التعليم 2015–2030 لإعطاء نفس جديد للإصلاح التعليمي ولإنقاذ المدرسة المغربية من المأزق الذي تعيشه.

ويرى خبراء في مجال التربية والتكوين أن القطاع يمر بأزمة بنيوية وهيكلية مما يدعو الجميع إلى الانخراط الحكيم والفعال في إيجاد حلول مناسبة لتجاوز مصاعبه. ولتجاوز الأزمة التي تمر بها المنظومة التعليمية. يقول حسام هاب نائب مدير المركز المغربي للشباب والتحولات الديمقراطية، في حديثه لـ”العرب”، إنه لا بد من الاطلاع على المقاربات المعمول بها في سياقات متعددة لجعل التلميذ محور الاهتمام، وتقديم أجود الخدمات، وتوفير شروط النجاح المدرسي، وربط المؤسسة التعليمية بمحيطها بشكل يساعد على تكوين المواطن المتشبث بقيم المواطنة والهوية والمنفتح على قيم العصر والديمقراطية.

17