التعليم المنزلي.. تجربة غربية لحل مشكلة تدني المدارس العربية

تفاقمت مشكلات التعليم النظامي بأنواعه الخاص والدولي والعام في العديد من الدول، ما دفع البعض إلى التفكير في ابتكار أنماط جديدة للنهوض بالمستوى التعليمي للأطفال عبر أنظمة مستحدثة أبرزها التعليم المنزلي والذي يعرف أيضا بالتعليم المرن.
السبت 2016/01/23
تدريس الأطفال في المنزل من نظام فطري إلى أحدث صيحة تعليمية

رغم أن التعليم المنزلي لا يزال غير واضح في الوطن العربي، إلا أن انتشاره التدريجي في بعض الدول الغربية وتخصيص مناهج وأدوات تساعد الأسر على اللجوء إليه، ساهم في الترويج له عربيا.

التعليم المرن أو المنزلي كما قالت الدكتورة دعاء مجدي المدير التنفيذي لمؤسسة “غراس لتعليم الأطفال في سن مبكرة” لـ”العرب”، مصطلح مستحدث لتكييفه مع التعليم النظامي في الدول التي لا تعترف بالتعليم المنزلي مثل مصر، حيث يحاول الآباء الجمع بين مميزات التعليم المنزلي، دون أن يفقدوا ما يحتاجونه من التعليم النظامي، كالشهادة المعتمدة من الدولة.

وتشير مجدي التي تعد مؤسستها الوحيدة من نوعها في العالم والتي تقدم خدمات حول هذا النوع من التعليم على الإنترنت، إلى أن التعليم المنزلي يعني أيضا أن يكون المنزل مؤسسة مسؤولة عن تعليم الطفل، سواء تم ذلك داخل المنزل أو خارجه، وسواء تولى العملية التعليمية الأب أو الأم بنفسيهما أو وفرا للطفل من يقدم له التعليم الذي يلائم تطلعاته. وأكدت أن هذا يعتبر عودة إلى نظام التعليم الفطري، حيث كان الطفل يتربى ويتعلم تحت رعاية ومسؤولية أبويه ولا أحد غيرهما.

محرك البحث غوغل يحتوي على الكثير من المعلومات المفيدة حول التعليم المنزلي، أغلبها باللغة الإنكليزية، من ضمنها مؤلفات لكتاب وباحثين مثل جون هولت ودوروثي وريمون مور. أما باللغة العربية، فالأمر لا يخرج عن عدة تجارب واجتهادات ذاتية وبضعة مقالات كتبت عن الموضوع هنا وهناك، فالأمر لا يزال غامضا لدى الكثير من الآباء.

تدريس الأطفال في المنزل تحول من نظام فطري إلى أحدث صيحة تعليمية في العالم

أم عبدالله محمود، مصرية مقيمة بالسعودية، صاحبة مدونة “سوبر حوا” على الإنترنت والتي تخصص مساحة كبيرة منها للحديث عن تجربتها في التعليم المنزلي لأبنائها الثلاثة، روت لـ”العرب” تجربتها فقالت “في نهاية 2007 كان ابني عبدالله قد بلغ الثالثة من عمره وكنت بصدد إلحاقه بصف الروضة، لكن في الوقت ذاته علمت بشأن التعليم المنزلي من بعض الأجانب، واكتشفت أنه منتشر في العالم الغربي، الأمر الذي جعلني أقرأ كثيرا عن هذا النوع من التعليم”.

وتابعت “قررت الاشتراك مع جارتي الأميركية تعليم أطفالنا في مدرستنا المنزلية الخاصة بنا، فتقاسمنا المواد الدراسية، حيث توليت أنا تدريس اللغة العربية والدين والقرآن الكريم، بينما تولت هي تدريس الإنكليزية، ثم أنشأنا مجموعة على البريد اللإلكتروني لنشارك المصادر التعليمية التي نجدها”. وأوضحت أن “المسألة كانت سهلة للغاية في الحصول على مواقع تعليمية بالإنكليزية تتضمن طرقا مميزة ومبتكرة وشيقة ومفيدة للطفل”.

وأضافت “هيّأنا لأطفالنا نموذجا يحاكي المدرسة النظامية لكن في البيت، فارتدينا ملابس الخروج مع أطفالنا على أن تبدأ الدراسة في التاسعة صباحا، وأخبرناهم عن وجود مكان لبيع الحلويات والعصائر، ثم اجتمعنا معهم للتحدث قليلا عن المدرسة، فكانت الفكرة مرحة واستمتعنا بها”.

أم عبدالله بحثت عن الأنشطة التي توفرها مدارس رياض الأطفال لتنفذها لأطفالها، وعلمت أن أهم ما في الروضة هو الحلقة الدراسية، حيث تجلس المعلمة ومن حولها الأطفال، كذلك درست دبلوما في علم “المنتسوري” الذي يعلّم الأطفال عن طريق اللعب.

حالة تدني التعليم في مصر وفقدان ثقة أولياء الأمور في المدارس الحكومية والخاصة دفعا البعض إلى التفكير بجدية أكبر في التعليم المنزلي، وتطور الأمر للقيام بتجربة فعلية. وفي هذا السياق، قالت دعاء مجدي إن إقبال الناس على هذا النوع من التعليم سببه الأساسي تدني المستوى التعليمي والتربوي بشكل عام في المدارس التي لم تعد تلبي تطلعات الآباء، ومع زيادة الوعي التربوي للجيل الجديد من الأمهات والآباء وجدوا ضالتهم في هذا النوع من التعليم، حيث يتكيّف بسهولة مع الإمكانيات المادية والمؤهلات العلمية والتطلعات التربوية.

وفاء البسيوني الباحثة التربوية أكدت في كتابها “مصر بلا مدارس، أن الكثيرين يخشون من التعليم المنزلي بحجة أن الطفل يمكن أن يصبح منطويا أو خائفا لأنه لا يشارك ذويه اجتماعيا، وغير قادر على الاندماج المجتمعي.

وكشفت أن هذا التصور خاطئ، فالعديد من التجارب العالمية أثبتت أن الطفل الذي يتعلم منزليا يكون أكثر قدرة على الاندماج المجتمعي بشكل أكبر من نظيره الذي يتعلم في مدرسة نظامية وتفرض عليه مناهج مملة وغير مفيدة.

حالة تدني التعليم في مصر وفقدان ثقة أولياء الأمور في المدارس الحكومية والخاصة دفعا البعض إلى التفكير بجدية أكبر في التعليم المنزلي

وأكدت أهمية أن تكون هناك شبكة إلكترونية تجمع كافة الذين يعلّمون أبناءهم منزليا توفر لهم الإفادة المتبادلة. وأضافت دعاء مجدي أن أبرز التخوفات التي ترد إليها من المهتمين بالفكرة، هي نقص المهارة الاجتماعية للطفل، حيث يعتقد الوالدان أن المدرسة توفر الخبرة الاجتماعية اللازمة له، وهو ما ترد عليه بقولها “فهم خاطئ للخبرات الاجتماعية في الأصل”.

وجود الطفل كل يوم مع نفس الأشخاص، في مثل سنه ويملكون خبرات مثله، ليس كافيا لمنحه أفضل الفرص للتواصل الاجتماعي، فالمجتمع الطبيعي الذي نعيش فيه هو الذي يقوم على الأخذ والعطاء، ما يستلزم وجود شرائح مختلفة تمتلك خبرات متنوعة تتبادلها.

وفي المقابل، يملك الطفل في نظام التعليم المنزلي فرصا أكبر بكثير للتواصل الاجتماعي، باعتبار أنه يحصل على متسع من الوقت لزيارة أماكن متعددة والتعامل مع فئات وأعمار مختلفة يوميا، ما يفيده على الصعيد الثقافي والاجتماعي.

ومن أكثر المشاكل التي تواجه الأهالي عند التفكير في التعليم المنزلي، عدم الاعتراف به، عكس ما يحدث في الدول الغربية التي توفر مؤسسات تساعد على تنفيذه وتوفر اختبارات وشهادات معتمدة للطلاب تؤهلهم للالتحاق بالجامعة.

لهذا تتمنى دعاء مجدي من الجهات الرسمية في العالم العربي السماح للأطفال المتعلمين منزليا بحضور الاختبارات الحكومية لتحديد مستواهم، ومن ثمة تسهيل حصولهم على شهادات تؤهلهم للالتحاق بالجامعات، على ألا يتم تحديد قدراتهم في اختبار لسن معيّنة.
ولأن الأطفال المتعلمين منزليا يمكنهم اجتياز اختبارات السن الأكبر دون صعوبة، ما يمكنّهم من اختصار الوقت والالتحاق بالجامعة مبكرا. وأشارت مجدي إلى إنها تتمنى ألا يتم تصنيف هذا النوع من التعليم وحصره في فئة عمرية أو تيار معين من المجتمع، فالتعليم حق للجميع.
21