التعليم عن بعد في سوريا حاجة ملحة صعبة التعميم

المدارس في إدلب لم تسلم من التصعيد الذي حرم 280 ألف طفل من متابعة دراستهم بعد وقف العملية التعليمية، وفق ما أحصت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف".
الجمعة 2020/04/10
الجهود أكثر من الإمكانيات

أجبرت الحرب في سوريا عددا هائلا من الطلبة على ترك الدراسة؛ فبعضهم غادر البلاد والآخر اختار البحث عن عمل، أو قابع في المخيمات يترقب هدوء الأوضاع، وزادت أزمة كورونا من تأزم وضع التعليم في بلاد تعاني من انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت ونقص الأجهزة الذكية لتواصل تعليم ما تبقى من الطلبة عن بعد.

إدلب (سوريا) - داخل قاعة تدريس في شمال غرب سوريا، تشرح دانيال دبيس حصة في الجغرافيا بينما تصورها زميلتها، تمهيدا لإرسال الفيديو إلى طالباتها اللواتي يلازمن منازلهن خشية من وباء كوفيد – 19، لكن التعليم عن بعد في زمن الحرب دونه عقبات كثيرة.

في مدينة إدلب، كما في مناطق أخرى في سوريا، أنهكت تسع سنوات من النزاع كل القطاعات، ويبدو التعلم عن بعد ترفا لا يمكن لكافة الطلاب الحصول عليه لأسباب عدة، على رأسها نقص الإمكانات وتردي خدمات الكهرباء والإنترنت.

في مدرسة للبنات في مدينة إدلب، وأمام لوح أبيض تزينه شرائط وبالونات بنفسجية اللون، ترسم دبيس (42 عاما) خارطة سوريا وتكتب محاور الشرح الرئيسية قبل أن تبدأ زميلتها في تصويرها عبر هاتف ذكي.

وبعد الانتهاء، ترسل المدرّسة مقطع الفيديو إلى طالباتها عبر خدمة الواتساب مع مجموعة أسئلة للإجابة عليها.

وتبدو أروقة المدرسة التي ترتادها قرابة ألف طالبة عادة خالية ومظلمة بعد تعليق الدروس قبل أسابيع قليلة في إطار التصدي لفايروس كورونا المستجد الذي لم يعلَن رسميا عن أي إصابة به في إدلب حتى الآن، فيما سجلت الحكومة السورية 19 إصابة في مناطق سيطرتها بينها حالتا وفاة.

وتخشى منظمات دولية من كارثة جديدة في حال تفشي الفايروس في إدلب والمخيمات المكتظة.

وتشرح المدرسة التي تفتقد إلى التواصل المباشر مع طالباتها أن طريقة التعليم الجديدة وإن “لاقت بعض الفائدة، لكن ثمة صعوبات عدّة نواجهها”، على رأسها “عدم توفّر الإنترنت لدى غالبية الطلاب بشكل دائم، إضافة إلى أن شحن الهواتف ليس ممكنا” نظرا لساعات التقنين الطويلة في الكهرباء. والأكثر من ذلك، أن التقنيات الضرورية المطلوبة للتعلم عن بعد، وفق دبيس، “ليست متوفرة عند الطالب كالكمبيوتر.. ولذلك غالبا ما يستخدم هاتف والده أو والدته”.

وأدى هذا النقص، بحسب قولها، “إلى انخفاض عدد الطالبات من ألف إلى 650 طالبة”.

ورغم العوائق، تثابر دبيس على إعداد الدروس وتصويرها “على أمل أن تكون مجدية” للطلاب وأن “نتخطى هذه الأزمة”.

في منزلها في إدلب، تمضي الطالبة في المرحلة الثانوية نور سرميني (17 عاما) يومها وهي تعمل على تحميل مقاطع الفيديو والتنقل من مجموعة واتساب إلى أخرى، بعدما استحدثت كل مدرّسة مجموعة خاصة لمادتها.

وتقول “عند مصادفتنا مشاكل بسبب الإنترنت، تعطينا الآنسة وقتا حتى نحمّل مقاطع الفيديو وتجيب على كل أسئلتنا”.

هاتف العائلة هو الملاذ
هاتف العائلة هو الملاذ

وبحماس لافت، تشدد نور على “أننا سنفعل أي شيء لئلا نبتعد عن العلم”، مضيفة “نشارك المواد التعليمية مع الأهالي بشكل يومي، ونصحح المواد التي تصل إلينا، ونجيب عن استفسارات الطلاب عبر المجموعات المنشأة على تطبيق واتساب”.

ويسري في إدلب ومحيطها وقف لإطلاق النار تسبب خلال ثلاثة أشهر في نزوح نحو مليون شخص من منازلهم.

ولم تسلم المدارس من التصعيد الذي حرم 280 ألف طفل من متابعة دراستهم بعد وقف العملية التعليمية، وفق ما أحصت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”.

وبحسب منظمة “سايف ذي تشيلدرن”، فإن أكثر من نصف مدارس إدلب الرسمية، البالغ عددها الإجمالي 1062 مدرسة، تضررت أو دُمّرت أو موجودة في مناطق يعد وصول الطلاب إليها خطرا. كما يتم استخدام نحو 74 مدرسة أخرى كمراكز إيواء للنازحين.

وتضيق مخيمات إدلب بعشرات الآلاف من قاطنيها وبينهم عدد كبير من الأطفال ممن هم في سن الدراسة. ويعيش هؤلاء مع عائلاتهم وسط ظروف إنسانية صعبة.

في خيمة تحولت إلى قاعة تدريس في مخيم قرية كفر يحمول في ريف إدلب الشمالي، يشرح المعلم أحمد راتب (29 سنة) درس رياضيات لطلابه بينما يصوره زميله عبر هاتفه الذكي.

يقول “اتبعنا أسلوب التدريس عن بعد عبر تطبيقي واتساب وتلغرام حفاظا على سلامة الطلاب وسلامتنا ومنع التجمعات في المخيم والمدرسة”، مضيفا “نحاول قدر الإمكان ألا نحرم الأطفال من التعليم”.

ولم يستطع عدد من طلابه متابعة تحصيلهم العلمي “جراء عدم توفر هاتف ذكي أو كمبيوتر محمول لديهم”، خصوصا القاطنين منهم في المخيم، فضلا عن عدم توفر الكهرباء لساعات طويلة.

في مناطق سيطرة الحكومة السورية، حيث أُقفلت المؤسسات التعليمية أبوابها منذ منتصف مارس، تحدث وزير التربية عماد العزب عن تفاصيل ما أسماه “خطة الاستجابة التعليمية” لتعويض الطلاب عن النقص الذي حصل جراء قرار الحكومة تعليق الدوام المدرسي بالتزامن مع انتشار فايروس كورونا.

وتتمثل الخطة في تسجيل موضوعات الدروس التعليمية لجميع الدروس الأساسية، التي لم تُعطَ في فترة التعليق، إضافة إلى تفعيل عمل القناة التربوية لبث دروس في اللغتين العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم للصفوف الأساسية المسجلة، بمعدل سبع ساعات يوميا، وتخصيص ساعة ونصف الساعة صباحا ليتلقى الاختصاصيون أسئلة الطلاب ويجيبوا عنها، كما بادرت بعض المدارس إلى استكمال التعليم عبر الإنترنت.

أزمة الكهرباء ونقص خدمات الإنترنت يعرقلان سير الدروس
أزمة الكهرباء ونقص خدمات الإنترنت يعرقلان سير الدروس

ويواجه الطلاب مشكلة انقطاع الكهرباء مع امتداد ساعات التقنين حتى 14 ساعة يوميا، فضلا عن اتباع نظام باقات الإنترنت الذي يحدّد حجم الاستهلاك المتاح لكل عائلة.

وفي مناطق سيطرة الإدارة الذاتية الكردية (شمال شرق)، تعمل لجنة التعليم كخلية نحل لتصوير حصص دراسية سيتم بثها عبر قنوات تلفزيونية محلية وموقع يوتيوب، وفق ما يشرح مسؤول اللجنة نورالدين محمد في مدينة القامشلي، موضحا أن التعليم عن بعد سيدخل حيز التطبيق خلال أيام.

ويقول بندر إسماعيل (35 عاما)، وهو أب لثلاثة أطفال، إن بدء بث حلقات التدريس خطة “تلقى تقديرا”، لكنه يسأل عما إذا كانت الإدارة الذاتية “قادرة على تأمين الكهرباء والإنترنت المناسبين لإنجاح المشروع؟”.

بعد إنهائها شرح درس باللغة الكردية أمام الكاميرا، تقرّ حياة عباس (43 عاما) بأن وجود الطلاب في الصف ذو فائدة أكثر من تلقيهم الشرح عبر الشاشة نظرا للتفاعل.

وأكثر ما تخشاه أن “تكون لدى الطلاب أسئلة لا يجدون أجوبتها”.

20