التعليم في السودان ورقة إخوانية تزيد من الخلافات بين القوى السياسية

المحاصصة الحزبية في السودان تقوض صلاحيات رئيس الحكومة وبات اختيار الوزراء بيد القوى السياسية التي وضعت عبدالله حمدوك بين خيارات قد لا يقتنع بها كلها.
الاثنين 2021/07/26
أجندات تبعثر جهود الإصلاح

الخرطوم- لم يستطع رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك حتى الآن اتخاذ قرار بتعيين وزير جديد للتربية والتعليم في حكومته التي شكلها في فبراير الماضي، وذلك في ظل تفاقم الخلافات بين مكونات سياسية وقبلية في الخرطوم وشرق السودان وفقا لمحاصصة جرى التوافق عليها واشترطت أن يكون المنصب من حق القوى المشكلة لمسار الشرق الموقعة على اتفاق جوبا للسلام.

ودفعت الرؤى المتباينة إلى إقالة وزير التعليم السابق محمد الأمين التوم بالرغم من وجود توافق شعبي على استمراره في منصبه ما أحدث فراغا لا يزال مستمرا.

وسلّمت منظمات المجتمع المدني وعدد من أساتذة الجامعات والمثقفين في السودان مذكرة أخيرا إلى حمدوك طالبت فيها بإعادة تسمية التوم وزيرا للتربية والتعليم، والذي شغل المنصب في أول حكومة للثورة بعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق عمر حسن البشير، ومنحه الفرصة لاستكمال ما بدأه من إصلاحات في قطاع التعليم.

وطالبت المذكرة التي وقع عليها 29 من القوى المختلفة و20 شخصية بارزة، بإبعاد منصب وزير التربية والتعليم عن المحاصصة السياسية، ونادت بإطلاق يد التوم لتكوين مجلس استشاري قوامه أصحاب الخبرات لاتخاذ التعليم منصة للنهوض والبناء الوطني، وإجازة القوانين التي أشرف عليها، وبينها قانون التعليم العام، وقانون المركز القومي للمناهج والتدريب والتوجيه والبحوث التربوية.

عمار عوض: أجيال في مراحل التعليم ضحية الخلافات السياسية

وتسببت الخلافات بين قوى قادها حزب الأمة القومي من جهة، والحزب الشيوعي من جهة ثانية، في تجميد خطوات تطوير المناهج التي قادها التوم ورئيس المركز القومي للمناهج سابقا عمر القراي، وتدخلت الحسابات السياسية بين مكونات الثورة في تمرير توجهات استهدفت إزاحة فكر الإخوان الذي سيطر على العملية التعليمية.

وألقى التباين بظلال قاتمة على الرؤى الحديثة في التعليم لأن الوزير السابق حاول وضع السودان في مسار التعليم المرتكز على الأبحاث العلمية وليس التصورات الثقافية والاجتماعية والدينية.

لكن ما يسمى بـ”الدولة العميقة” المخترقة لوزارة التعليم، وقوى يمينية محافظة رأت أن تطوير التعليم يخصم من رؤاها المنغلقة التي زرعتها الحركة الإسلامية في السودان لأكثر من 30 عاما قادت في النهاية إلى تجميد التطوير.

وتعد قضية المناهج التي أخذت في التصاعد أحد أهم المداخل التي حاولت قوى محسوبة على النظام البائد توظيفها لعرقلة خطط عمل حكومة الثورة التي انحنت لمطالب قوى عديدة، بعضها محسوب على الحركة الإسلامية، وشكلت لجنة ضمت بعض القيادات السلفية لمراجعة المناهج انتهت برفض التطوير الجديد لمناهج اللغة العربية والتاريخ من دون أن تضع بدائل أخرى للتطوير.

وأكد المحلل السياسي عمار عوض أن ارتباط وزارة التعليم بقسمة سياسية تكون له عواقب سلبية على مستويات عديدة، لأن رؤية أي فصيل سياسي للتطوير قد تجابه رفضا من أطراف أخرى مناوئة.

كما أن الوضع في السودان أكثر تعقيدا لأن قوى الشرق التي من المفترض أن تتوافق على الوزير الجديد ليس بمقدورها الوصول إلى مرشح توافقي مع اضطراب الأوضاع هناك.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن أجيالا في مراحل التعليم المختلفة يمكن أن تكون ضحية الخلافات السياسية، وهناك أكثر من مخرج للحكومة يمكن أن تلجأ إليه لسد الفراغ من خلال تعيين وزير لفترة مؤقتة إلى حين التوافق على مرشح جديد أو إتاحة الفرصة للوزير السابق لاستكمال ما بدأه من تطوير.

وأصدر حمدوك قرارا في مارس الماضي بتكليف تماضر الطريفي التي تشغل منصب وكيل الوزارة بتصريف مهام وزارة التربية والتعليم الاتحادية سدا للفراغ الدستوري، لكن الصيغة المؤقتة أبقت على هياكل نظام البشير في أهم الوزارات التي تخاطب الملايين من المواطنين، وجرى التعامل مع قدرة الوزارة على تمرير امتحانات نهاية العام بالنسبة إلى الشهادة الثانوية على أنها إنجاز يستحق التقدير.

ويرى مراقبون أن التعليم في السودان لم يتحرر من قبضة تنظيم الإخوان بعد وأن المحاولة الوحيدة للتطوير جرى استهدافها بتحالف شمل طيفا واسعا من القوى السياسية والدينية دون أن تكون هناك قدرة للأحزاب المحسوبة على الثورة للفصل بين مصالحها وبين أهمية تحرير عقول الطلاب بما يدعم هدفهم الأسمى المتمثل في بناء دولة مدنية بعيدا عن الأفكار التي تدعم استمرار رواسب الدولة الدينية.

وبدا تعامل رئيس الحكومة مع قضية التعليم كأنها مسألة سياسية بحاجة إلى التوافق قبل الإقدام على عملية التطوير، بين

التعليم في السودان لم يتحرر من قبضة تنظيم الإخوان
التعليم في السودان لم يتحرر من قبضة تنظيم الإخوان

ما الأمر يخضع لرؤى علمية ليست بحاجة لتوافق ربما يؤدي إلى تجميد خطط التطوير، ولن يقود إلى التماسك الذي طالما تحدث عنه حمدوك لتمرير المرحلة الانتقالية.

وأوضح أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخرطوم صلاح الدين الدومة أن الفراغ الحالي بوزارة التربية والتعليم سببه المحاصصة التي قوضت صلاحيات رئيس الحكومة في اختيار الوزراء وفقا لما يراه مناسبا، وغياب المجلس التشريعي الذي من المفترض أن يجيز ترشيح رئيس الحكومة، لذلك بات اختيار الوزراء بيد القوى السياسية والحركات المسلحة التي وضعت حمدوك بين خيارات قد لا يقتنع بها كلها.

وأشار الدومة في تصريح لـ”العرب” إلى أن بعض الحركات والأحزاب قدمت مرشحا واحدا فقط وكان على حمدوك القبول به عند تشكيل الحكومة مثلما هو الحال في منصب وزير المالية جبريل إبراهيم الذي رشحته حركة العدل والمساواة منفردا.

وتكمن الأزمة في اختراق عدد كبير من القوى الثورية التي تقدم ترشيحاتها حاليا ومفترض أن تمارس ضغوطا لسد الفراغ في وزارة التعليم، لأن نظام البشير حينما أدرك أن سقوطه اقترب عمد إلى تعيين موالين له في الأحزاب والنقابات والاتحادات الأهلية والمنظمات الحقوقية، وبعض هؤلاء يتصدرون العمل السياسي ويدفعون لاستمرار غرس أفكارهم في عقول الطلاب من خلال دعم استمرار الفراغ الحالي.

وذهب متابعون إلى التأكيد على أن الاهتمام بقضية التعليم في السودان يتلاشى أمام صعوبة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما انعكس سلبا على انتظام العملية التعليمية في المدارس والجامعات السودانية.

وتوظف بعض القوى السياسية التابعة لتحالف الحرية والتغيير الجهل الفكري والتعليمي لصالح الحفاظ على ميراثها الشعبي لتظهر كطرف يحمي الثقافة والمجتمع.

2