التعليم في العراق: "إلى الوراء در"

الثلاثاء 2013/09/03

تتراجع المؤسسة التعليمية في العراق بشكل يثير الدهشة أحياناً وأحياناً يثير العجب، للطريقة التي تدار بها هذه المؤسسة من طرف القائمين عليها، ذلك أن هذه المؤسسة ومنذ ابن سينا والجامعة المستنصرية، لم يكن لرجال الدين أي دور في عملها العلمي

لا يقتصر تدخل رجال الدين على الجامعات والمعاهد، بل وصل إلى المدارس الابتدائية التي تستقبل أطفالاً لم يتجاوزوا السادسة. هذه المؤسسة تعمل بمبدأ الثواب والعقاب، ولكن ليس في مجال التفوق العلمي أو الكسل المعرفي، بل في مجال معرفة الغيب!

لا أحد يعاقب طفلة في السادسة عقاباً مبرحاً لأنها لا تعرف أن فاطمة ابنة النبي الكريم محمد تكنى بالزهراء، ولا يتطلب الأمر إرسالها إلى بيتها واستدعاء والديها من أجل تعنيفهم لأنهم لم يعلموها شيئاً من هذا. المدير الجديد للتربية في محافظة بابل، مركز مدينة الحلة، يعلن في اجتماع عمومي لجميع المدارس الابتدائية والمتوسطة والإعدادية، منعَ ارتداء الأحذية الرياضية والبنطلون الكاوبوي، لأنها ليست من"عاداتنا وتقاليدنا"، ومن يخالف ذلك يعاقب، سواء كان طالبا أو مدرساً، بالطرد. كل هذا يمكن النقاش حوله، لكن لا يمكن السكوت، ففي كليات الطب اليوم بدأوا بتحريم دراسة التشريح لأنه، وفق بعض المراجع الدينية، تمثيل بالجثث"!

طلاب كثيرون تخرجوا من هذه الجامعات في السنة الأخيرة لم يدرسوا التشريح، وبالتالي لم يقبلهم أي مستشفى في البلد، وهم يشعرون بالحيرة والغضب ولا يعرفون إلى مَن يقدّمون شكاواهم، لأن المرجعية الدينية فوق القانون والعلم. لا الحكومة قادرة على التدخل، ولا الصحافة المحلية تتناول الظاهرة، ولا أساتذة الجامعات.

رئيس جامعة الكوفة فعل حسناً بعدما استفتى أحد رجال الدين واشترى دميتين من بريطانيا لكي لا يحرم طلبته درس التشريح. هل يمكن أن يكون هذا حلاًّ لجامعات الألفية الثالثة؟ يخيّل إلينا أن هذه الفتاوى قادمة من خارج الحدود مع أنها لا تطبق في البلاد التي جاءت منها، مثلها مثل الكثير من الطقوس التي تمارَس في بلاد الرافدين هذه الأيام، فالعراقيون يطبقون كل ما يصل إليهم، مثل كل الخدم المطيعين.

لم يعرف العراق طيلة تاريخه حركة راديكالية كالحركات الموجودة على أرضه الآن، لذلك نستطيع أن نبرهن ببساطة أن هذه الحركات طارئة، ولن تدوم طويلاً، لكنها ستكون مهلكة إن لم يتحرك ذوو العقول المستنيرة لإيقافها عند حدها.

عشر سنوات مرت على ما يسمى بالتغيير، بعد سنوات طويلة من الديكتاتورية الحمقاء، ولم تخط الدولة العراقية خطوة واحدة إلى الأمام، إن لم نقل إنها تراجعت مئات الخطوات إلى الوراء، وليس أدل على ذلك من حصول عاصمة الرشيد على المرتبة الثالثة لليونسكو بوصفها أقذر مدينة في العصر الحديث.

لكن هل يستطيع الناخب العراقي أن يغيّر هذه المعادلة، أم أن توزيع البطانيات والدولارات على الناخبين سيعيد الإسطوانة المشروخة ذاتها ونبقى ندور في الفراغ؟

17