التعليم في تونس.. حقل التجارب التي لا تنتهي

تنشغل الأسر التونسية هذه الأيام بالاستعداد للعودة المدرسية. ويأمل الطلاب في أن يكون العام الدراسي الجديد أكثر استقرارا من العام الماضي. وأعلن وزير التعليم العالي ووزير التربية بالنيابة سليم خلبوس عن اتخاذ مجموعة من الإجراءات التي بدت ضرورية لضمان الحد الأدنى من السير العادي للدراسة خلال العام الدراسي الجديد.
الثلاثاء 2017/08/29
لا جديد يستحق الذكر

تونس- استهلت وزارة التربية في تونس العام الماضي مجموعة من الإصلاحات والتغييرات بعضها لقي قبولا من هيئات التدريس والتلاميذ وأولياء الأمور والبعض الآخر أثار جدلا واسعا ورفضته أطراف في العملية التربوية خصوصا في ما يتعلق بتوقيت الدراسة وروزنامة العطل. وصرح وزير التعليم العالي والبحث العلمي ووزير التربية بالنيابة سليم خلبوس، الأسبوع المنقضي بأنه تمت مطابقة العطل بين التعليم الإعدادي والثانوي والعالي، إلى جانب إدخال بعض التغييرات على العطل بالنسبة للتعليم في المرحلتين الإعدادية والثانوية.

وأكد الوزير أنه ستكون هناك عطلة بعد كل 6 أسابيع دارسة بالإضافة إلى الزيادة في أيام الدراسة بحيث تكون العودة المدرسية يوم 15 سبتمبر ويخصص كامل شهر يونيو للامتحانات، أين ستتراوح ساعات التعليم في تونس بين 800 و900 ساعة في السنة، وهذا يبقى ضمن المعدل العالمي.

جدير بالتذكير أنه في مستهل كل سنة دراسية جديدة يعاد فتح ملف التعليم في تونس، وطرح ملف إصلاح التعليم بشدة منذ التحول السياسي الذي أفرزته ثورة الـ14 من يناير 2011. ولكنه أضحى حقلا للتجاذبات الفكرية والسياسية، وتداخلت في الموضوع عدة أطراف.

ولم تتضح الرؤية بعد، لأن قطاع التعليم لا يزال خاضعا لعدّة ملابسات يختلط فيها السياسي بالنقابي، بالحزبي، بالذاتي، فلا يمكن لأي إصلاح في أي مجال أن ينجح إذا فشلت عملية التشخيص للأسباب الحقيقية. ومن الأسباب الفعلية للارتجال الذي وسم قطاع التعليم في تونس في السنوات الأخيرة، أن الأطراف المتدخّلة في العملية تعتمد الانتقائية أو الولاء أو التطفّل على القطاع.

أبناء القطاع ثلاثة أصناف؛ المدرسون المباشرون ويشخصون الوضع من منطلق مهني فيرون أن الزمن المدرسي مرهق للمدرّس والتلميذ وأن البرامج مكثفة ولا يمكن إتمامها بأريحية ودون ضغط وتسرع وأن أوضاعهم المادية متردية ولا تشجع على البذل والعطاء وأن الولي مستقيل ولا يتابع منظوره وأن الإصلاحات مسقطة ولا تستجيب للمعايير. ولكنهم في رؤيتهم لا يوجهون إصبع الاتهام إلى المربي ولا يشيرون إلى نقص تكوينه وضرورة تدعيمه ولا ينتقدون كثرة الغياب وساعات العمل المهدورة وانعكاساتها على تحصيل التلميذ ولا ينتقدون الفئة التي تبرر الدروس الخصوصية.

محاور أساسية أجدر بالإصلاح منها مراجعة البرامج، والمرافقة الاجتماعية والنفسية للتلميذ، وتكوين الإطار التربوي

أما الصنف الثاني فهم الإداريون على مستوى محلي أو جهوي أو مركزي (الوزارة)، وهم صناع التقارير التي ستعتمد في التشخيص، ولكن تقاريرهم على قدر ما فيها من معطيات واقعية على قدر ما يقع تعديلها بدوافع عديدة من أهمها التنصل من المسؤولية أو إرضاء المسؤولين أو الخضوع لإملاءات إدارية مسقطة من أطراف سياسية وحزبية. فهؤلاء إن لم يقوموا بعملهم بموضوعية تامة بعيدة عن الضغوط فإن تقاريرهم التي ستعتمد في التشخيص ستكون نتائجها خاطئة حتما.

أما الصنف الثالث من أبناء القطاع فهم ممثلو النقابات، الذين يقومون بدور مزدوج يتمثل في الدفاع عن منظوريهم وفي المساهمة في بلورة الخيارات العامة والخاصة في المسار التعليمي. النقابيون يعتبرون أنفسهم شركاء في صناعة القرار وتعتبرهم الوزارة شركاء برتبة مستشارين، ولكنهم كغيرهم يصيبون ويخطئون وقد أثارت بعض مواقفهم جدلا سياسيا واجتماعيا عميقا كمطالبتهم بعزل وزير التربية السابق ناجي جلول.

الجدال المستمر بين هذه الأطراف وأولياء الأمور كان عقيما في أغلبه ولكنه أظهر بما لا يدع مجالا للشك أن المنظومة التربوية في تونس بها العديد من الهنات، كما أن المستوى التعليمي متدهور لأسباب عديدة، منها الزمن المدرسي الذي سعت الإصلاحات الأخيرة إلى تجاوزه بإقرار النظام السداسي وتعديل روزنامة العطل المدرسية بدل نظام الثلاثيات وذلك لمقاربة عدد الساعات المنجزة مع المعدل العالمي. كما أن الإطار التربوي في حاجة إلى التكوين المستمر لتجديد المعارف وربما أفضل طريقة لذلك تدعيم الإطار المكون والمراقب وجعل التكوين إلزاميا مهما كانت أقدمية المدرس. ولا يمكن أن تنجح عملية الإصلاح دون برمجة تستند إلى معطيات علمية في ما يخص الزمن والتكوين والعطل والبرامج والتنشيط الثقافي والتقييم. ولن تنجح ما لم يُحيد قطاع التعليم عن كل التجاذبات الفكرية والسياسية.

وبقي معظم ما وقع تشخيصه وبرمجته في إطار ما سمي بـ”مشروع الإصلاح التربوي” حبرا على ورق ولم يتحقق منه إلا النزر القليل. وما تم تنفيذه من المشروع الإصلاحي يمكن اختزاله في إقرار نظام السداسيتين، وتفعيل الأنشطة الثقافية، وإقرار خوصصة المطاعم المدرسية والجامعية. ورغم أنها لا تمثل شيئا يذكر على درب الإصلاح الحقيقي إلا أن هذه “الإصلاحات” أحدثت جدلا كبيرا في الأوساط التربوية والاجتماعية عموما.

نظام السداسيتين دفع إلى التخلي عن “الأسابيع المغلقة” التي تخصص لإجراء الامتحانات وهو ما سبب لخبطة حقيقية أثرت على السير العادي لعملية التقييم الجزائي للتلميذ. أما التنشيط الثقافي وعلى أهميته البالغة في ترسيخ القيم الإنسانية الحديثة التي تحارب التطرف لدى الطالب، فعدّه البعض من المدرسين وغيرهم من المواطنين مجرد تضييع للوقت لما اعتبروه تمييعا وانحرافا أخلاقيا من زاوية مرجعيتهم القيمية.

وتبعا لذلك يرى مختصون أن الإصلاح التربوي لم يكن إلا ملفا من ملفات المزايدة السياسية بما أن المشروع الحقيقي لم يقع تنفيذه، والذي يتعلق بالبرامج ووضعية المؤسسة التربوية في ظل العنف المسلط عليها ومدى انفتاح التعليم على المتطلبات الاقتصادية والوضعية المزرية التي يعاني منها الإداري والتلميذ والمدرس. وبعد محاولات الإصلاح التي تردّت بين النجاح النسبي والفشل، بات جليا أن أي مشروع تربوي لا يكلل بالنجاح إلا إذا كان “وطنيا” يجمع ولا يفرّق.

ويرى تربويون أن هناك محاور أساسية أجدر بالإصلاح في الوقت الراهن وهي؛ مراجعة البرامج بطريقة علمية مدروسة. والمرافقة الاجتماعية والنفسية للتلميذ. وتكثيف تكوين الإطار التربوي وتحسين وضعيته الاجتماعية والمادية لكي لا يضطر إلى الدروس الخصوصية التي ترهق الولي. ومراجعة طرق التقييم وجعل محطة على الأقل لاجتياز امتحان وطني قبل الباكالوريا. وتدعيم الاعتمادات المادية المخصصة للتصرف المالي محليا وجهويا ومركزيا. والأهم من كل ذلك متابعة لصيقة ومراقبة مستمرة نزيهة وبعيدة عن الانتهازية والمحاباة لكل خطوة في إطار مشروع الإصلاح التربوي الشامل.

17