التعليم في لبنان: التهرب من نشر الاعتدال في المناهج الدينية

أربكت ظروف قاسية تواجه الحكومة اللبنانية المسؤولين عن التعليم بعد انتهاء العام الدراسي، على رأسها إغفال مراجعة مواد التربية الدينية والكفاح من أجل إدماج الطلاب السوريين الذين مازالوا يعانون من عدم قدرة استيعاب أعدادهم المتزايدة داخل المدارس، والشعور بالفوقية داخل المجتمع اللبناني، وعدم توافر المخصصات المالية اللازمة لتطوير العملية التعليمية التي باتت في حاجة إلى مشاركة مؤسسات المجتمع المدني لإنقاذها.
الثلاثاء 2016/07/12
إغفال الإجابة عن أسئلة حساسة

بيروت – انتهى العام الدراسي في لبنان على إيقاع القرارات التي اتخذها وزير التربية والتعليم الياس أبوصعب قبيل الامتحانات الرسمية، والقاضية بتقليص محاور مادة الفلسفة إلى النصف تقريبا في إجراء يقتصر على هذا العام فقط، ويمهد لتعديلات لاحقة تطال هذه المادة وغيرها في السنوات المقبلة. المواد المرشحة للتعديل هي مواد التربية الوطنية والتنشئة الوطنية والفلسفة والحضارات.

ووقع المركز التربوي للبحوث والإنماء، وهو الجهة الرسمية المكلفة بإعداد المناهج وتطويرها، عقدا مع مؤسسة “أديان” لتطوير المناهج الخاصة بهذه المواد من خلال منحة بريطانية.

وتقول مؤسسة “أديان” عن نفسها إنها “مؤسسة للدراسات الدينية والتضامن الروحي، تسعى للعمل على توضيح المفاهيم الدينية والتحديات الاجتماعية والسياسية المشتركة، وتكمن رسالتها في تشجيع بناء علاقات التضامن والتفاعل الإيجابي بين أبناء الأديان المختلفة وتوطيدها قولاً وعملاً، رغبة منها في المساهمة في تحقيق السلام وتثبيته في لبنان والمنطقة والعالم”.

وتقول المؤسسة إنها تهدف إلى “تبيان المساحات المشتركة بين الأديان ودراسة نقاط التمايز، ودراسة المسائل المرتبطة بعلاقة الأديان بين بعضها البعض وتفاعلها مع المسائل الاجتماعية والجيو- سياسية بشكل موضوعي”.

كما تعمل أيضا على “نشر قيم الاحترام والمودة تجاه الخبرات الروحية المتنوعة وتمييز هذه الأخيرة عن سائر الانحرافات والتطرف والظلامية تحت غطاء الدين”. ويقول متخصصون في التعليم في بيروت إن الشراكة بين المركز التربوي ومؤسسة أديان لم تشمل إعادة النظر في مناهج التربية الدينية التي تثير العديد من الإشكاليات بين مختلف الطوائف اللبنانية، بل اقتصرت على مواد ذات طبيعة جدلية تحض على التفكير الحر واتخاذ القرارات مثل الفلسفة.

وأثار المتخصصون مخاوف من أن الهدف الكامن وراء إهمال مناهج التربية الدينية هو تطويع الطلاب وبرمجة عقولهم على قبول الأوضاع الطائفية القائمة بغية تكريسها.

ولطالما خضعت المسألة التربوية والتعليمية في لبنان لمقتضيات السياسة، خصوصا في المواد المتعلقة بالتاريخ والتربية، فقد كانت هناك قبل انسحاب الجيش السوري من لبنان دروس في مادة التربية ترتبط باتجاه سياسي يشمل على سبيل المثال فصلا حول العلاقة اللبنانية السورية المميزة.

الهدف من وراء إهمال مناهج التربية الدينية هو برمجة عقول الطلاب على قبول الأوضاع الطائفية القائمة

ولم تقدم هذه الدروس بشكل جماعي في كل المدارس، إذ كان المعلمون يعمدون إلى إلغائها في مناطق معينة، بينما يبقون عليها في مناطق أخرى. وتكررت نفس السياسة مع دروس التاريخ.

إدماج السوريين

يعكس إدماج الطلاب السوريين في النظام التعليمي اللبناني مشكلات جمة من حيث قدرة المدارس على استيعاب العدد الكبير من الطلاب، والاختلافات الكبيرة في المناهج اللبنانية والسورية.

وعمدت وزارة التربية والتعليم اللبنانية إلى إنشاء اتفاقات دولية تم بموجبها اعتبار لبنان دولة متضررة من النزوح السوري بشكل عام، ومن ثم تم تمويل عمليات إدماج النازحين في النظام التعليمي اللبناني عبر هبات دولية. وساهم التمويل الدولي في قيام ورشة إعداد مناهج لبنانية مخففة خاصة باللاجئين السوريين.

وتهتم هذه المناهج بتقديم مقاربة يمكن للتلميذ السوري التعامل معها بقدر من السهولة، إذ تتخفف من المفردات الأجنبية المعقدة في مواد الرياضيات والعلوم، وتقدم بدائل لها، أو تعرضها في إطار مبسط.

كما يتم تدريس اللغات الأجنبية انطلاقا من مستويات محددة تتناسب مع مستوى معرفة الطلاب السوريين بها.

وتم إنجاز هذه المناهج وبوشر العمل بها مع الطلاب النازحين، إلا أن نجاحها لا يزال محدودا.

وكان عدد الطلاب السوريين المسجلين في المدارس اللبنانية أو الذين يخضعون لدورات تعليمية في مؤسسات رسمية وخاصة قد تجاوز العام الماضي عتبة المئة ألف طالب.

مناهج معدلة للسوريين يجري العمل بها مع الطلاب النازحين، إلا أن نجاحها لا يزال محدودا

وتقول مصادر مطلعة إن هذا الرقم لا يصل الى نصف عدد الطلاب الذين يجب أن يتابعوا دراستهم، كما أن قلة من الطلاب المسجلين يتابعون دراستهم بانتظام، حيث يضطرون لقطع الدراسة بسبب الظروف السيئة التي يعاني منها اللاجئون السوريون في لبنان عموما نظرا لشح المساعدات، ومحاولة البعض من الجهات الرسمية وغير الرسمية فرض قيود وشروط ابتزازية قبل السماح بدخولها.

وعقدت كل هذه الوقائع المأساوية اندماج الطلاب السوريين في النظام التعليمي اللبناني، فعدد كبير منهم مضطر للدخول إلى سوق العمل بشكل غير شرعي على الأغلب، وبأجور زهيدة بهدف تأمين الحد الأدنى من قوت يومهم.

نظرة فوقية

يعاني الطلاب السوريون من نظرة فوقية تتفاقم تدريجيا داخل المجتمع اللبناني وفي المدارس من قبل أقرانهم، ومن قبل البعض من المسؤولين عن المؤسسات التعليمية، حيث سُجلت حالات عقاب غير مألوفة وشديدة القسوة في حق الطلاب السوريين تم رصدها وعرضها على الإعلام.

ويقول خبراء لبنانيون إن أزمة اندماج الطلاب السوريين في النظام التعليمي اللبناني هي أزمة شديدة التشعب والتعقيد والخطورة. وأضافوا أن “التهاون في تقديم حلول منطقية وواضحة لهذه الأزمة قد يؤدي إلى وضع مصير الآلاف من الطلاب في مهب الريح وجعلهم، خصوصا من كان منهم في عمر المراهقة، عرضة لأنواع شتى من المؤثرات غير الحميدة والتي قد تدفعهم إلى سلوك طريق التطرف والإرهاب”.

17