التعليم في مصر: منظومة مهترئة تلقي به أسفل مؤشر جودة التعليم

أسباب عديدة توفرت لتجعل من مصر تأتي في أسفل قائمة جودة التعليم على مستوى العالم، منها ما يتعلق بالمناهج الدراسية، والبنية التحتية للمدارس، ووضعية المعلمين، وغير ذلك من المظاهر التي دفعت إلى اتخاذ قرار بنسف كامل المنظومة التعليمية الراهنة والبحث عن آفاق جديدة تنهض بالتعليم في مصر وتواكب التطورات الاقتصادية وسوق العمل، وتجعل من التعليم رافدا من روافد التنمية الرئيسية، فما تستثمره اليوم في التعليم تجنيه غدا جيلا واعيا قادرا على أن يكون عنصرا إيجابيا في مجتمعه يبني مستقبل وطنه ويصون مكتسباته، لكن هذا الاستثمار يحتاج رغبة حقيقية وحوافز تجعل مخرجات مؤتمر التعليم الوطني، في مصر، حقائق ملموسة على أرض الواقع.
الثلاثاء 2016/11/22
نحتاج تعليما بلغة نفهمها

القاهرة – بدأت مصر خطوات فعلية نحو تصحيح مسار منظومة التعليم الحالية، التي بوأتها المرتبة قبل الأخيرة عالميا في تصنيف جودة التعليم، وذلك بنسف المنظومة التعليمية الراهنة بأكملها وإعادة بنائها على أسس جديدة تماما يجري من خلالها بناء منظومة متطورة في غضون عدة أشهر، للمرة الأولى في تاريخ منظومة التعليم المصرية.

وجاء مؤتمر الحوار الوطني لتطوير التعليم المصري، سواء في المدارس أو الجامعات، الذي انطلق، الاثنين، ويختتم أعماله، الثلاثاء، كنقطة انطلاق حقيقية نحو تغيير نمط وشكل المنظومة بشكل عام، بعد السخط المجتمعي عليها من مختلف التيارات والتوجهات، بدءا من المناهج الدراسية ومرورا بالمعلمين والمؤسسات التعليمية، انتهاء بالتشريعات التي تنظم عملية التعليم ذاتها.

وما يدعو إلى التفاؤل النسبي حول إمكانية وضع تصور تعليمي جديد قابل للتطبيق الفعلي وتلافي السلبيات الحالية، أن جميع المعنيين بالتعليم كانوا في مقدمة من وضعوا أسس المنظومة الجديدة، التي تعهد مسؤولو وزارة التربية والتعليم، ووزارة التعليم العالي والجامعات، بتطبيقها دون إقصاء لأي فكرة.

كانت دعوة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال مؤتمر الشباب بشرم الشيخ نهاية الشهر الماضي، إلى سرعة تطوير المنظومة التعليمية خلال أشهر قليلة دون تأخير، من المحفزات المهمة لأن تتعامل المؤسسات التعليمية بجدية غير معهودة مع مسألة “نسف المنظومة القديمة” والاعتماد على إستراتيجية جديدة تخرج من حيز المبادرات والخطط المرسومة على الورق إلى التنفيذ الفعلي.

واللافت أنه للمرة الأولى، يجتمع خبراء التربية وأسس التدريس وأساتذة الجامعات إلى جوار الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأهلية المهتمة بالشأن التعليمي، ومعهم ممثلو المؤسسات الدينية (الأزهر والكنيسة) وممثلو وسائل الإعلام للتحاور مع مسؤولي التعليم حول الخط الجديد المنتظر أن يسير عليه التعليم المصري مستقبلا.

مناهج جديدة

خرج المؤتمر بجملة من التوصيات التي اتفق عليها ممثلو الجميع، تمثلت في تغيير جميع المناهج الدراسية دون استثناء، مع الاعتماد على مناهج جديدة بعيدة عن سياسة الحفظ والتلقين وترتكز على تطبيق قواعد الابتكار والفكر والإبداع والبحث العلمي، مع تغيير شكل ومحتوى مختلف الامتحانات لجميع المراحل التعليمية، وإدخال نظم التكنولوجيا في المدارس.

اتفاق مجتمعي على إستراتيجية جديدة للتعليم تعتمد على تغيير المناهج ونظم الامتحانات وخفض الكثافة وزيادة المخصصات

وجرى التوافق على تغيير التشريعات التعليمية التي تكبل عملية التطوير وتقف حائلا أمام الإستراتيجية الجديدة لمنظومة التعليم، وإعادة النظر في سياسة تدريب وتأهيل واختيار المعلمين لا سيما في مراحل التعليم التأسيسية، وتغيير عملية الالتحاق بالتعليم الجامعي، بحيث لا تعتمد على مجاميع الامتحانات في المرحلة الثانوية فقط، بقدر ما ترتكز على اختبارات القدرات للطلاب.

وقال الهلالي الشربيني، وزير التربية والتعليم لـ”العرب”، على هامش المؤتمر، إنه سوف يتم تخصيص 30 بالمئة من درجات الطلاب في المدارس على تطبيق الأنشطة المدرسية، سواء الرياضية أو الثقافية أو الفنية، مع اعتبار التعليم في المرحلة الأساسية (الابتدائي والإعدادي) إلزاميا على جميع الأسر، ولا يحق لأي ولي أمر أن يحرم ابنه من التعليم لأي سبب، ما يعني خفض معدلات الأمية في المجتمع، حيث يوجد نحو 13 مليون شخص يجهلون القراءة والكتابة في المجتمع.

وأضاف أن مختلف الأطروحات التي تهدف إلى تطوير المنظومة قابلة للتنفيذ، لأن الوضع الحالي للتعليم “لا يرضي أحدا”، والاعتراف بالأخطاء والمشكلات أولى مراحل التطوير. ولفت إلى أن هناك إرادة حقيقية لتغيير هذا الواقع، باعتبار أن النهضة الاقتصادية التي ترجوها الحكومة لن تحدث بعيدا عن تعليم عصري متقدم يستطيع تخريج طلابا لديهم فكر ووعي وابتكار.

وفي إشارة إلى خلق مناخ تنافسي بين الطلاب، تقرر إنشاء مدرسة للمتفوقين والعباقرة في العلوم والأبحاث والرياضيات في كل محافظة (مصر بها 27 محافظة)، على أن تخصص درجات تضاف إلى المجموع الكلي في نهاية العام الدراسي على التفوق العلمي، أسوة بدرجات التفوق الرياضي، وذلك للمرة الأولى في تاريخ التعليم المصري.

ميزانية مضاعفة

يعاني التعليم المصري ضعفا في الإنفاق، ما تسبب في زيادة كثافة الطلاب داخل الفصول الحكومية التي يدرس فيها 22 مليون طالب، حيث يوجد في الفصل الواحد ما بين 100 إلى 120 طالبا، فضلا عن توظيف معلمين غير مؤهلين، والاعتماد على مناهج قديمة وضعت قبل 30 عاما جميعها تعتمد على الحفظ والتلقين، إضافة إلى وجود نحو 3 ملايين طالب لا يجيدون القراءة والكتابة.

وجرى التأكيد من جانب ممثلي المؤسسات التعليمية على أن ميزانية التعليم سوف تتضاعف بما يسمح بتلافي كل السلبيات الموجودة حاليا التي لها علاقة بمشكلة نقص التمويل، سواء بالقضاء على كثافة الطلاب بحيث يتم الوصول تدريجيا إلى 50 طالبا فقط بالفصل الواحد أو توسيع تطبيق الأنشطة بالمدارس، وربط حوافز ورواتب المعلمين بمستوى الطلاب لمنع وجود طلاب أميين بالمدارس.

وقال أحمد الجيوشي، نائب الوزير للتعليم الفني لـ”العرب”، إنه سيتم ربط التعليم بسوق العمل من خلال التوسع في بناء المصانع داخل المدارس الفنية، وإدخال تخصصات جديدة تواكب النهضة الاقتصادية العالمية، سواء في قطاع البترول أو الكهرباء أو السيارات، على أن تكون هناك مدرسة مجاورة لكل منطقة اقتصادية بحيث يتخرج الطالب من المدرسة إلى العمل مباشرة.

وفي شأن تطوير مناهج التعليم الفني، أكد المؤتمر على ضرورة أن يكون كل منهج فني عبارة عن وظيفة مستقبلية تتصل مباشرة بسوق العمل، بحيث يتعلم الطالب أساسيات أي وظيفة يريد العمل فيها بعد التخرج، مع نسف المناهج القديمة التي لم تعد تواكب العصر، ولم يجر تحديثها منذ 40 عاما، وإلغاء التخصصات التي لم تعد مطلوبة في الوقت الحالي.

ولأن الكثير من التوصيات في المؤتمر خرجت من قبل تتعلق برسم سياسات تعليمية جديدة ولم تطبق حتى الآن، تم خلال المؤتمر وضع جدول زمني محدد لكل نقطة على حدة تتعهد خلالها المؤسسات التعليمية بتطبيقها وتوضيحها للرأي العام في موعدها المحدد، على أن تضمن رئاسة الجمهورية والحكومة تنفيذ ما تم التوافق عليه مع ممثلي المجتمع، بحيث يتم خلال أشهر معدودة نسف المنظومة القديمة وبدء العمل بالإستراتيجية الجديدة.

كاتبة من مصر

17