التعليم والحمار

الخميس 2013/09/26

بدأ العام الدراسي في مصر مطلع الأسبوع الجاري. ورغم التحذيرات المستمرة من قبل الحكومة، والمخاوف الأمنية المحيطة بعودة العملية الدراسية وسط ما تشهده مصر على الساحة السياسية اليوم، إلا أن المصريين الذين اعتادوا أن يبتسموا في وجه الإرهابيين، وأن يجلسوا ويتسامروا معهم بمجرد رحيل مخبري "أمن الدولة" في تسعينيات القرن الماضي، قابلوا هذه التحذيرات بالشكوى من اختفاء "شنطة المدرسة" وارتفاع أسعار الأقلام وباقي المستلزمات الأخرى، وبتوبيخ الحكومة بسبب عدم إنهاء حظر التجوال، الذي يقولون إنه تسبب في اختفاء الشعب المصري من الشوارع بينما لم يختف الإرهابيون!

عانى التعليم في مصر الأمرين على يد أنظمة الحكم السابقة، ولكنه لم يشهد إهمالا على مدار تاريخه الذي يرجع إلى آلاف السنين بقدر الاستهانة واللامبالاة التي قوبل بها في عصر مبارك، الذي كان يخصص للتعليم ميزانية لا تتعدى ثمن 10 من صناديق قنابل الغاز المسيلة للدموع. فعندما يحالفك الحظ وتزور مدرسة حكومية في مصر الآن، لن تمتلك إلا أن تترحم على الملك فاروق، وتقرأ الفاتحة على روح عبدالناصر، لأنهما على الأقل كانا يعطيان التعليم أولوية على مباريات كرة القدم!

في صعيد مصر، تجد المدرس الذي يتخذ من التدريس "مهنة بعد الظهر" أي مهنة ثانوية، وتجد آخر لا يذهب إلى المدرسة لتقديم رسالته المقدسة إلى الأجيال الجديدة، إلا بعد أن يتأكد من أن كمية الألبان التي تكرمت بها "الجاموسة" عليه اليوم كافية لتغطية حاجة جيرانه.

لقد رأيت يوما طالبا في أرياف مصر يدخل مكتب مدير المدرسة على ظهر حمار، وعندما غضب سيادة المدير وكاد أن يفتك بالطالب المسكين، عاجله بأنه أحضر الحمار هنا لسبب، وهو "أن يجلس بجواري في الفصل، لعل تقارب الأجناس يجعله يفهم حرفا مما يقوله الأستاذ عبدالفتاح بتاع الكيميا"، فعفى عنه المدير في الحال!

نفس الشيء فعله فلاح بسيط في الجنوب منذ يومين، أحضر حماره ووضع على رأسه قبعة عسكرية، وكتب على جسد الحمار اسم "عبدالفتاح"، وأيضا لم يحدث له أي مكروه، سوى أن السيدة حرمه ذهبت كالعادة لكي توقظه في الصباح التالي للذهاب إلى الحقل، فلم تجده في سريره، بل عثرت في مكانه على قصاصة ورق مكتوب عليها "بـ 5 جنيه عيش و3 ونص حلاوة.. وخلي بالك من العيال يا باتعة".

24