التعود على المأساة

الأحد 2015/10/11

من أجل رند كنت مستعدة أن أذهب معها إلى آخر العالم، التقيت رند في العيادة العينية في المشفى الوطني كانت في الثانية عشرة من عمرها، وتضع نظارة طبية مهترئة وثمة سلك حديدي يصل قطعتي النظارة المكسورة، لم تستوقني رند لأنها نازحة من حلب فقد اعتدت ُ-رغم عني- على النازحين، أحبائي السوريين، لكن ما أدهشني حقا أن هذه الطفلة لم تفقد حيوية روحها، لم يخبُ بريق عينيها، ولم يجف صوتها ويذبل.

كانت برفقة امرأة غارقة في السواد أشبه بصنم لا تتكلم وتبدو في عالم آخر، سألت رند: أهي أمك؟ ابتسمت وقالت: لا هذه خالتي. فسألت: أين أمك؟ قالت: أمي في البيت لا يجوز أن تخرج منه لأنها في العدة، فقد وضعت طفلة ووالدي وأخي ماتا في حلب بعد سقوط الصاروخ على بيتنا.

هممت أن أسألها إن كانت قد شاهدت الصاروخ كيف يسقط ويقتل أبيها وأخيها، لكني لم أجرؤ على السؤال، كنت جبانة إذ صرت أخشى حقا أن يُغمى علي وأنا أرى معاناة أطفال سوريا تحديدا، وبدا جواب رند بالطريقة الطبيعية التي تحكي فيها فضيحة عصرنا اللاأخلاقي.

لم تنس رند أن تسرح شعرها الأسود الطويل وأن تربطه بمطاطة زرقاء، لم تنس أن تضع بضعة مناديل ورقية في حقيبتها الصغيرة الخاوية وأن تخرج منديلا لتمسح قطرات العرق عن جبينها وهي تبتسم لي بعذوبة وتقول: كم يختلف مناخ حلب عن مناخ اللاذقية، هنا الرطوبة عالية جدا، في حلب لا نتعرق هكذا.

فكرت أن رند مشتاقة للابتسام، مشتاقة لطفولتها التي لا تريد أن تعترف أن الصاروخ نسفها كما قتل والدها وأخيها، ابتسامة رند المُشعة جعلتني أذوب حبا لكل أطفال سوريا، قلت لها: كم كان عمر والدك وأخيك؟ قالت أبي كان عمره 45 سنة وأخي تسع سنوات لما قتلهما الصاروخ.

عرفت من المرأة الصنم التي ترافقها أنهم نزحوا من حلب واستأجروا بيتا في حي الرمل الفلسطيني، وأن أختها، أم رند، مصابة بصدمة عصبية بعد موت زوجها وابنها، وبأنها بالكاد تعتني بالطفلة الرضيعة، أما الخالة -المرأة المذهولة- فقد توفي زوجها برصاص قناص، وابنها مفقود لا تعرف هل هو حي أم ميت، والأختان لا تعرفان اللاذقية أبدا وتفتشان عن مراكز لإعانة النازحين.

اتصلت بإحدى المؤسسات التي تعنى بالنازحين وكتبت للمرأة العنوان، ووعدت رند بأنني سأغير لها النظارة، فشع وجهها بابتسامة، ووجدتني أردد رند المُنتصرة، أليست الابتسامة أكبر نصر؟

بعد أقل من ربع ساعة اتصلت بي خالة رند تبكي وقالت يبدو أنني تهت، أرجوك ساعدينا. من أجل رند كنت مستعدة أن أذهب حتى آخر العالم، ووصلت إلى المركز الذي يقدم مساعدات للنازحين السوريين، ركضت رند نحوي مبتسمة ورمت جسدها النحيل في حضني وهي تقول: شكرا لأنك أتيت.

وقبل أن أشق لنفسي طريقا وسط حشد النازحين، انفجر شجار مدو لم أستطع أن أحدد بدقة أطرافه، لكن ما فهمته وسط سيل الشتائم أن بعض النازحات من الحفة لم يحظين بالمعونات، لأن الحفة منطقة آمنة! هكذا قالوا لهن، صوت امرأة تصرخ: أي أمان هذا؟ يا أخي تدمر بيتي في الحفة، وأعيش مع أسرتي في مرآب للسيارات سمح لنا أحد المُحسنين أن نعيش فيه، فأي أمان هذا. كانت رند تقف بكبرياء دون أن تخسر سلاحها -ابتسامتها- لتذهلني كيف تستطيع طفلة أن تحافظ على عفويتها وأناقة روحها وسط هذا الجحيم.

طلبت من المسؤول أن يساعد رند وخالتها فطلب دفتر العائلة، وإن كان ثمة عقد إيجار للبيت الذي يقيمون فيه في اللاذقية، إن كانوا قد تمكنوا من استئجار بيت ولم يسكنوا خيمة أو ينامون في ظل شجرة، لم أتوقع أن رند تخفي عقد إيجار البيت في حقيبتها الصغيرة البالية. قالت لي وهي تقدم الورقة بحرص شديد: خفت أن تضيع أمي الورقة لأنها حزينة جدا ومشغولة بأختي الرضيعة، سألتها بفضول لم أستطع كبحه: من أين حصلتم على المال يا رند؟ أطرقت وقد غابت ابتسامتها، ثم تحسست عنقها بحركة لا شعورية، لعنت نفسي لأنني تسببت لرند بتفجر كل هذا الحزن الطفولي في عينيها الساحرتين، لكنها أخذت نفسا ونزعت نظارتها الطبية وقالت: كنت أملك سلسلة رفيعة من الذهب تقول أمي إن والدي أهداني إياها حين وُلدت وتحمل اسمي، لقد بعنا السلسلة لنستأجر البيت، لكني أشعر أن السلسلة في يد أبي، كل يوم أراه في منامي يناديني وهو يضحك ويفتح يده لأرى السلسلة الذهبية ذاتها ثم يُلبسني إياها.

شعرت الخالة بالانتصار حين أعطوها بطاقة تُمكنها كل شهر من الحصول على مساعدات، وأعطوها علبة سمن صغيرة وزيت نباتي وعدة مٌعلبات، ورغم الحر الذي كاد يُفقدني صوابي اصطحبت رند إلى محل بصريات كان مالكه رجلا “عظيما” في دعمه للنازحين، وأمام واجهة أنيقة للنظارات الطبية طلبت من رند أن تختار نظارة.

لم أفهم لم أصرت أن تستدير بحيث لا أتمكن من رؤية وجهها، وكلما حاولت التحديق بوجهها تناور كي لا أراه، لكنني اكتشفت أنه بإمكاني مراقبتها في مرآة جانبية موضوعة فوق رف النظارات، كانت تبكي بصمت وتتلقف دموعها بطرف منديل، شعرتُ أن دموعها تسقط في قلبي كماء من نار، ولم أجرؤ أن أخدش قدسية تلك اللحظة.

ترى لأي سبب وسبب تبكين يا رند؟ لأي سبب وسبب تبكون يا أطفال سوريا الذين تشهدون المجازر وتتعثرون ببقايا جثث آبائكم وبقايا دفاتركم المدرسية وبقايا طفولتكم المُشوهة بوحشية الكبار، وجدتني أستمد الشجاعة والأمل من ابتسامة رند التي أذهلتني بها أول ما التقيتها.. فقلت بصوت يصطنع الفرح: أظن أن الإطار الوردي الفاتح يليق بعينيك الجميلتين يا رند ما رأيك؟ التفتت إلي فجأة وثمة دموع عالقة بأهدابها، شهقت وهي تقول “ياه هذا ما كان يقوله لي محمد تماما”، سألتها: من محمد؟ ردت وقد استعادت ابتسامتها: محمد أخي الذي مات.

كم فرحت رند بالنظارة الجديدة، ولا أعرف لم طلبت منها أن تعطيني نظارتها العتيقة، ابتسمت وهي تقدمها لي: أتريدينها ذكرى مني؟ قلت لها: أبدا يا حبيبتي، لن تكون ذكرى لأننا سنلتقي دوما. راقبتها تبتعد تمسك يد خالتها التي أصابها داء الخرس لهول المعاناة.

وجدتني مذهولة من عظمة هذا الشعب الذي لا يزال قادرا على الوقوف وعلى المشي، رغم حمم النار الهابطه عليه من السماء والمُتفجرة من الأرض، أليست رند معجزة العصر؟

من يبالي بطفلة عظيمة مثل رند لا تزال بقدرة إلهية قادرة على الابتسام . فكرتُ وأنا أعصر نظارة رند في يدي والسلك الحديدي يكاد ينغرس في لحمي بأننا دخلنا مرحلة التعود على المأساة، وبأن هذا التعود أخطر من المأساة ذاتها.

وكم أشفقت على نفسي حين وجدت شيئا من عزاء أنني اتفقت مع محمد الذي أصاب الصاروخ جسده الصغير وأحاله أشلاء أن اللون الزهري الفاتح يليق برند.

21