التعويم ضرب لقدرات المواطن الفقير

الثلاثاء 2017/04/11
الفقراء سيزدادون فقرا

أكثر ما يخيف الاقتصاديين في دول العالم الثالث من مسألة تعويم العملة الوطنية، هو التأثير السلبي المترتب على المواطنين البسطاء، لأن التعويم سوف يؤدي إلى خفض سعر العملة الوطنية، ثم خفض قيمة النقود التي في يد المواطن الفقير، ما يقود إلى ارتفاع متوال بالأسواق، وهو ما يسميه الاقتصاديون الموجات التضخمية.

المواطن الفقير في مصر على سبيل المثال بعد أن كان يشتري بجنيه عشرة أرغفة، يضطر إلى شراء خمسة فقط، يعني يدفع جنيهين وليس جنيها واحدا للأرغفة العشرة، ما يزيد الفقراء فقرا، ويجعلهم غير قادرين على توفير احتياجات أسرهم، فتكون الدول التي تخفض سعر عملتها عرضة لانتفاضات شعبية، يحلو للخبراء تسميتها بانتفاضات الخبز، وكم شهدنا مثل تلك الانتفاضات في مجتمعات عربية عديدة.

الرافضون للتعويم يتحدثون عن الكثير من مخاطره، على رأسها أن خفض سعر العملة الوطنية لا يعني زيادة الصادرات بشكل تلقائي كما يقول المؤيدون، لأن الذي يتحكم في حجم الصادرات والواردات في اقتصاد دولة ما، ليس سعر العملة وحده، بل مدى جودة ما تنتجه الدولة فتصدّره، إذ كيف ستصدّر سلعة رديئة أنت منتجها؟

خطر آخر يتعلق بأن ارتفاع الأسعار داخل الأسواق المحلية نتيجة لخفض سعر العملة يزيد من تكلفة إنتاج السلع في المصانع والشركات، لأن مستلزمات الإنتاج تأتي من الخارج عن طريق الاستيراد، ما يعني أن ما وفرته بيدك اليمنى من عملات يتبخر من يدك اليسرى في الاستيراد، ولن يجني الاقتصاد الوطني إلا المزيد من التدهور.

ثمة خطر ثالث، وهو الادعاء بأن خفض قيمة العملة يؤدي إلى تحسين الميزان التجاري وهو ما لا يتحقق بالضرورة، لأن كفاءة عملية التصدير تعتمد على مرونة الجهاز الإنتاجي داخل الدولة، ولنتصور مثلا أن العالم كله أقبل على منتجاتك ويريد شراءها، فوجد جهازك الإنتاجي متهرئا متهالكا ولا يلبي ما يطلبه هؤلاء القادمون.. فماذا ستصدّر؟

سوءة أخرى من سوءات التعويم تخص تأثير خفض العملة على مؤسسات القطاع العام في الاقتصاديات العربية، كما أن هذا القطاع العام لن يتمكن من شراء مستلزمات ما ينتجه من الخارج، بسبب زيادة سعر الدولار أمام العملة الوطنية، وهنا يضطر إلى التوقف عن الإنتاج.

ومعروف للكافة أن القطاع العام مازال ينتج سلعا وخدمات الفقراء في الكثير من الدول العربية، ولا يسعى لتحقيق الأرباح الباهظة كما يفعل القطاع الخاص.

والأشد خطورة أن يكون البنك المركزي للدولة على استعداد دائم لمدّ السوق المحلية بالعملات الأجنبية التي تطلبها، فإن لم يستطع، ولن يستطيع كون الإنتاج في الدولة أصلا ضعيفا، سوف يلجأ المنتجون حينها مرة أخرى إلى السوق السوداء للحصول على العملات الصعبة، وهكذا تبطل حجة مؤيدي التعويم بأنه يقضي على السوق السوداء.

وهناك مشكلة لافتة تتعلق بزيادة فوائد وأقساط الديون الخارجية التي استدانتها الدولة من الخارج، ومعلوم أن الحكومات تدفع مستحقاتها بالدولار، ومن ثم ونتيجة ارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية أمام العملة الوطنية تدفع الدولة للخارج (دولار أو يورو أو جنيه إسترليني) أكثر، ما يعيدنا إلى الدائرة الخبيثة من جديد، أي دائرة زيادة عجز الموازنة العامة للدولة، وتضطر الحكومة حينئذ إلى إصدار سندات وأذونات خزانة بالدولار، الأمر الذي يضاعف من الديون.

وهنا يتحدث الاقتصاديون عن أن مشكلة الاقتصاديات النامية، ومنها اقتصاديات الكثير من الدول العربية، ليست في سعر العملات، بل في الخلل الهيكلي في الاقتصاد بشكل عام، أو ما يسمى بالاقتصاد الكلّي في مواجهة الاقتصاد الجزئي، ويرون أن إصلاح الهياكل الإنتاجية داخل الاقتصاد بصورة شاملة هو الحل وليس الخضوع الأعمى لبرامج ووصفات صندوق النقد الدولي.

للتدليل على صدق وجهة نظرهم، يضرب الرافضون للتعويم مثلين من الدول العربية، أولهما الحالة المصرية، حيث أنها عندما لجأت إلى تعويم الجنيه في نوفمبر الماضي كانت النتيجة ارتفاعا غير مسبوق في أسعار غالبية السلع الغذائية، والمثل الثاني هو السودان الذي يعاني من معدلات تضخم مرتفعة إثر تعويمه الجنيه السوداني عام 2015، ويشدد هؤلاء على أن التحكم في أسعار العملة الوطنية ينجح فقط في الاقتصاديات القوية، أما الضعيفة فإن الإصلاح الجذري هو الحل.

12