التغريب في المعمار إجهاض للمخيَّلة

الأحد 2016/10/16

مرّة جمعني لقاء صحافي مع المعماري العراقي إحسان فتحي تحدثنا فيه عن غربة الإنسان كفرد في الفضاءات الشاسعة والكتل الكونكريتية العملاقة والعمارات السكنية العالية.

كنت وقتها أنطلق من إحساسي الغريب هذا حين أمرّ بشارع حيفا الذي كان قد افتتح حديثاً، وكان من وجهة نظر الكثيرين، تحفة معماريّة وملمحاً حضارياً من معالم بغداد الجديدة، لكنني مع ذلك لم أكن أخفي شعوري هذا أمام المعماري الكبير.

أذكر وقتها أنّه قال “مثل هذا الشعور طبيعي جداً بالنسبة إلى إنسان لديه حساسية مفرطة وذائقة مخيّلاتية خصبة، ذلك لأن شارع حيفا صُمّم للسيارات وليس للإنسان، وكلما كبرت وتعاظمت كتل المباني شعر الإنسان بالضـياع والضآلة”.

لقد دفعني هذا الطرح وقتها لإعادة قراءة الذاكرة المعمارية البغدادية والرؤى الفطرية التي جُبل عليها المعماري البغدادي القديم، ثم سرعان ما ازداد توغّلي في الموضوع إثر دراستي اللاحقة للغرافيك وعلاقة الكتل المحيطة بالإنسان بصرياً، وصرت أخضع كل ما أشاهده من ملامح معمارية في المدن التي أزورها لتلك النظرية، وعندما اتّسعت الرؤية المعماريّة لديّ وارتبطت ارتباطاً وثيقاً بعمل المخيّلة، لجهة الدور الذي تلعبه الأمكنة في اعتمال الخيال الروائي، اكتشفت ما يمكن أن أسميه “نظرية الاتساع” التي باتت تطغي على كل شيء من حولنا، بدءاً من التصحّر واتّساع الفراغ البيئي حتّى اتساع الكون وتمدّده البطيء الذي تحدّث عنه علماء الفلك.

الأمر يتعلّق بإحساس الغربة على سبيل المثال. ففي الماضي كنا نشعر بالغربة حالما نغادر مدننا الصغيرة أو قرانا في الجنوب إلى العاصمة، وهو ارتباط روحي ونفسي بالمكان المهادن والارتباط الساذج إن شئت، بالجذور أو التربة التي ولدنا فيها. الآن وفي ظل العولمة المعمارية وارتفاع الأبراج الشاهقة وضخامة الكتل التي من حولنا لم نعد نشعر بالغربة، أقصد تلك الغربة المرتبطة بالحزن الذي يغسل الروح وتخمشها آجرّة ليست في مكانها، أو ارتفاع غير محسوب لمبنى أو ارتفاع سقف غير مبرر أو استخدام كتل الكونكريت الصمّاء بدل الآجرّ ذا المسامات التي تتنفس.

وفي المحصلة أدركت بأن الأمر لا يمكن تجزئته، أقصد علاقة الإنسان النفسية بمحيطه وبيئته ومفردات تكوّن تلك البيئة وعناصرها وتمحور تلك الانفعالات الخفيَّة التي يُطلق عليها البعض الإحساس بالغربة أو الحزن.

لقد اشتغل المعماري البغدادي بالدّرجة الأساس على مفهومي الخصوصية والعزلة بشكل لا واع حتّمته أعراف وتقاليد مجتمعية معينة وظروف بيئية معروفة، وفي الوقت الذي يَعدّ الكثيرون هذا الأمر مثلبة من نوع ما، أعدّه ميزة وتفرّدا وملمحا هوّياتيا إن جاز التعبير.

فانغلاق الفضاء الداخلي على الحوش وانعزاله عن الخارجي قد حافظ على نوع من الخصوصية المحببة. بالتأكيد الأمر بحاجة إلى دراسة أعمق من الباحثين المجتمعيين وعلماء الاجتماع، لكنّني أناقش الأمر هنا من وجهة نظر أدبية مخيّلاتية بحتة، فقد منح انغلاق البيت العراقي القديم على كل ما هو خارجي وانفتاحه على الداخل، نوعاً من العلاقة الحميمة، كما ألهب مخيَّلة الخارجي في تخيّل الحيوات الخاصّة وتفصيلاتها، وبالتالي فقد فرض المكان سطوته الساحقة، فالنخلة السامقة التي تطلّ من الفناء الداخلي على الخارج، تبعث في نفس الرائي الكثير من الشجن، كونها تنبت في الداخل المحرّم بطريقة أو بأخرى، في حين تصادر الكتل الكونكريتية العملاقة ذلك الفخر الفطري بالتعالي وتبدّد الداخل وفقدانه للمحرّم، أقصد ذلك المحرّم الذي يثير في نفس الرائي ومخيّلته رغبة في تخيّله، وبالتالي فإن التكتل الكونكريتي أجهض، من بين ما أجهض، حتَّى عمل المخيَّلة.

كاتب من العراق

14