التغريب والعودة في "مصائر" ربعي المدهون

مازالت قضية الشتات الفلسطيني تشغل بال الكتّاب الذين صوروا هذه المأساة بطرق مختلفة، وظل موضوع التشبث بالأرض وصراع الهوية حاضرا في الكثير من الأعمال الروائية. روايات تصدّت لمحاولات الاستلاب وكشفت عن نوايا الاحتلال في فرض ثقافته واغتيال الثوابت وقتل روح المقاومة في نفوس أبناء الشعب الفلسطيني الذي انقسم في تحديد مصيره ومستقبله، بين البقاء على الأرض المسلوبة، رغم المعاناة وقساوة الحياة والتقتيل والتنكيل، وبين شق آخر آثر الرحيل والهجرة، تاركا مصيره ضبابيا دون ملامح.
الخميس 2016/04/28
فلسطينيون يبحثون عن الانعتاق

في توليفة تجمع بين الواقعي والمتخيل والأدبي والشخصي والتاريخي عبر حركات تشبه كونشرتو الموسيقي، المكون من أربع حركات، يقدّم الكاتب الفلسطيني بريطاني الجنسية ربعي المدهون تغريبة جديدة تنضم إلى تغريبات فلسطينيي الشتات بعنوان “مصائر: كونشرتو الهولوكست والنكبة”، الفائزة بجائزة البوكر 2016.

الرواية مثلما يتقاطع فيها الواقعي مع الخيالي، والتاريخي والجغرافي ممزوجا بحالة من الحسرة والوجع على مصير الوطن، يتداخل فيها أيضا الزمان والمكان والهُنا والهناك، وتصبح الرواية منفتحة على أزمنة متعددة مثخنة بالجراح والألم، عاشها جيل الآباء، وَعَانى وما يزال يُعاني منها جيل الأبناء في صورة باسم وجنين، وجولي.

الوصية المعضلة

يوزع الكاتب مأساة الفلسطيني، في روايته الصادرة عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” في بيروت وعمان و”مكتبة كل شيء” في حيفا، على أربع حركات تبدو مستقلة ظاهريا، وإن كان رابط المكان والزمان والشخصيّات هو الجمع لهذه الاستقلالية، فوليد دهمان الروائي الفلسطيني بريطاني الجنسيّة زوج جولي العكاوية وابنة عمّه جنين الدهمان اليافاوية بمثابة رابطتي العقد للحكاية التي تبدأ في لندن مع الأرمينة الفلسطينية الشقراء إيفانا أردكيا ابنة عكا في زمن الانتداب على فلسطين وعلاقتها بالطبيب البريطاني جون ليتل هاوس الذي تهرب معه وتتزوجه، وهو ما أدى إلى حدوث قطيعة بينها وبين عائلتها التي رفضتها ولم تقبل اعتذارها.

في أخر أيامها تُوصي ابنتها جولي وزوجها وليد الدهمان الرِّوائيّ اليافاوي الذي يعيش في بريطانيا عند وفاتها بحرق جسدها ثم جمع رماده ليوزّع بين الهنا (لندن) والهُناك (عكا). وبالفعل يهرع الزوجان في تنفيذ الوصية، وما أن يصل الزوجان إلى مطار اللُّد حتى تبدأ الذكريات والتداعيات عن الماضي، سواء ماضي هذه الحماة التي تجتر مأساة وطنها منذ وقوعه تحت الانتداب ومأساتها الشخصية عندما عوقبت على قرار زواجها من البريطاني. ورفض والدها استجداءها بالعفو، ومات غاضبا عليها، لذا حرصت في وصيتها على الدفن في عكا في مسعى للتطهّر من الماضي بأن تمنحها العفو بدلا من اللعنة، التي وصمتها بها المدينة بعد اتهام الإنكليز باحتلال الأرض وكذلك اختطاف العرض.

شخصيات أسهمت في إبراز الجانب المأساوي الذي حل على المكان وواقع الشتات والاستلاب الذي عاش فيه أفراده

في الحركة الثانية نبدأ بالتعرّف على شخصية جنين الدهمان ابنة عم وليد التي تكتب رواية “فلسطيني تيس”، وموضوعها عن والدها محمود الدهمان، وتنتقل عبر تاريخها الشخصي وتاريخ بطل الرواية (باقي هناك) إلى بؤر مكانية تتضمن تاريخها الحديث حيث حياتها في نيويورك للدراسة ثم عودتها مع زوجها إلى يافا التي تعشقها، والماضي السحيق الذي تستحضره عبر روايتها عن والدها محمود الدهمان حيث كان وأفراد أسرته يعيشون في المجد عسقلان، وانتقل إلى غزة خلال النكبة عام 1948، وعندما لم يستطع استعادة أسرته يعيش كمواطن إسرائيلي باسم أبو رمسيس وبلقب (باقي هناك) ويتزوج من حسنية ويرتبط بعلاقات مع جيرانه اليهود. كما يشعر باسم أيضا بحالة التغريب الحقيقي بعد عودته، وأنه لا ينتمي إلى المكان، إذ لا حقّ له في العمل.

رثاء للقدس

تبدل باسم عن سيرته الافتراضية التي تعرفت عليه جنين عبرها وأحبته بها، بل وأقامت معه زواجا افتراضيا، وأيضا عن باسم الواقعي الذي عاشت معه في يافا، فقد أدمن الكلام عن الهجرة والحديث عن حنينه إلى منفاه، فصار يتذكره ويحن إليه، وسيطر عليه هاجس الهروب من الاغتراب الذي فرضته عليه سلطات الاحتلال.

أربع حركات سردية تحكي تاريخ الفلسطينين

في المقابل ارتبطت جنين بيافا وراودها هاجس مغادرتها خوفا من أن يتكرر معها ما حدث مع أبيها الذي بقي هناك، وهي تصر على البقاء مستعيدة سيرة إميل حبيبي الذي كتب على قبره “باق في يافا”، وقد تجسّدت صورة الحنين والتعايش مع المنفى في صورة زكريا دهمان الذي كان يعمل في الكويت حتى الستينات، ثمّ رحل بزوجته وولديه حسام وخالد وابنته الوحيدة لارا، مطرودا من ماضيه بعد الغزو العراقي، واستقرّ في مونتريال، إلا أن الفارق بينه وبين باسم هو أن زكريا أحب اختياره، ولم يندم أو يترحم على ماضيه، أو يعاتب زمنه الأسود أو يشكو غربته لنفسه ولا لآخرين بل سارع إلى بناء حياة جديدة له ولأفراد أسرته.

تأتي الحركة الرابعة أشبه بمعزوفة جنائزية في رثاء القدس المدينة التي يصل إليها وليد وجولي ليحقّقا أُمنية إيفان بنثر تراب جسدها فيها، وفيها يعزف السّارد أنشودة الحب والحزن معا لهذه المدينة التي لم يَعُد منها سَوى روائحها وصارت مَنسية في الكتب، حيث المستوطنات راحت تدفن القدس تحتها، هنا يصف الكاتب التغيرات التي حلَّت على المدينة بعد أنْ سكنها المستوطنون الذين جاؤوا مِن أوروبا الشرقيّة قبل الهولوكست.

كما يتماهى الرّاوي العَائد على المؤلف الحقيقي مع المأساة التي حلت بالقدس التي يعرفها وقد ابتعدت عن ذاكرته واستراحت في كتب المدارس، فالقدس المدينة اختزلت في كعكة بسمسم، وبكنافة وبزعتر، لذا حفاظا على الهوية المـستلبة يحفر الراوي في التاريخ والجغرافيا ويقدم الأدلة على عربية القدس، واصفا المعتقدات الخاصة بتاريخية المكان كما هو الحال بالقبة المعلقة. ويسهب في وصف شوارع القدس وأزقتها وأسواقها وحوانيتها وبيوتها.

غسالة الشرف

لم يغفل الكاتب الذي يظهر في النص بمرجعيته الحقيقية عبر مقال كتبه بعنوان “لاتصدقوهم لم ينسوني بعد أربعين عاما”، التركيبة الاجتماعية لسكَّان يافا وجرائم الشّرف، كما أوضحت دراسات باسم، والتي من بينها أن اليهود كانوا يطلقون على حارة الجواريش غَسّالة شرف العرب. كما ركّز الكاتب على التباين في المشاعر المتذبذبة حول الجنسية الإسرائيلية ما بين حاسد عليها لأنه يراها “أحسن ألف مرّة من الهجرة والشحططة والمرمطة”، وآخرين يجدون فيها خلاصا من حكم الإدارة العسكرية المصرية، وهذه ليست الصورة السلبية لمصر في الرواية حيث يمرر انتقاداته لأجهزتها الأمنية في المطار، ويسخر من مواصلاتها فيصف القطار المتهالك الذي رآه وكأنه يصلح لنقل المساجين في ليمان طُره.

الرواية يتقاطع فيها الواقعي مع الخيالي والتاريخي والجغرافي ممزوجا بحالة من الحسرة والوجع على مصير الوطن

جاءت الشخصيات على نوعين؛ الأول شخصيات باحثة عن الانعتاق أو اللوذ بالمنفى، كما في شخصيتي زكريا وباسم. والثاني شخصيات تشبثت بالمكان ولا تريد مغادرته وهي متعدّدة: منها من لم تغادر المكان مثل: شخصية محمود الدهمان وسلمان وزوجته عايدة والدكتور فهمي الخطيب وزوجته طبيبة الأسنان، ويدخل فيها مَن كانت تعيش في الخارج وعادت، وبعد العودة قرّرت ألا تتركه كما في حالة جنين، ثم في مرحلة أَخيرة جولي ووليد، ومنها أيضا من عاش في الخارج لكنه كان يتوق للعودة إليه مثل خالد ابن زكريا وحبه للعودة إلى غزة وما إن ذهب واستعاد دهمانيته حتى استشهد في إحدى غارات الطيران الإسرائيلي، وبالمثل الروائي خالد عيسى الذي يعيش في السويد، و”حلم عمره يقعد ع شط يافا ويشرب فنجان قهوة ولو مرة واحدة” وباسم الذي ضاق ذرعا بالمكان ويريد أن ينعتق بالهروب عنه. وتتردد في النصّ أسماء لشخصيات حقيقية مثل أمجد ناصر والكاتب إميل حبيبي.

حالة التعدد التي انعكست على النص ظاهرة في تعدّد مستويات اللغة التي تتنوع بين لُغة عربية فصيحة، يعتمد عليها الرَّاوي، أنيقة في تعبيرها عن حالات الحنين للمكان، أو الحب بين وليد وجولي، وأخرى عامية مطرَزة بكلمات مَحليّة، تعكس أثر المكان، وثالثة بلغات أجنبية سواء بالإنكليزية أو بالعبرية، التي تتكرر في النص على لسان الشخصيات وأيضا أسماء الأماكن، وهذا التعدد يعكس الطابع البوليفوني والكوزمباليتي الذي هَيمن على المكان منذ الانتداب وتعايشت في ظله طوائف متخلفة عقائديا وأيضا جنسيا. كما أن الرواة متعددون فالرواية تبدأ براو غائب يرصد عن قرب بل يَتماهى مع الشخصيات، ثم يترك مساحة للسرد بالأنا كما في حالات والدة جولي وجنين التي تسرد علاقتها بباسم، علاوة على السرد بالرواي الغائب، كما يروي وليد عن جنين وحكاية والدها. كل هذه العناصر المتعددة أَسهمت في إبراز الجانب المأساوي الذي حل على المكان وواقع الشتات والاستلاب الذي عاش فيه أفراده.

15