التغول الإيراني والاحتمالات المضادة

الثلاثاء 2014/10/21

تزداد وقاحة النظام الإيراني وصلافته يوما بعد يوم لأسبابٍ محليةٍ وإقليميةٍ ودولية. فالشعبُ الإيراني الذي انتفض على سياسة أحمدي نجاد، واحتج على قمعه واستبداده وتفرده بصناعة القرار السياسي، قد ارتكنَ إلى السكينة والهدوء وتركَ ملالي طهران يفعلون ما يشاؤون بهذا البلد، ويتلاعبون بمقدراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية.

أما المحيط الإقليمي فقد تروض بعضه مثل العراق الذي أصبح حديقة خلفية لإيران بعد انسحاب القوات الأميركية منه في عام 2011، وانشغلت تركيا في بسط نفوذها على مناطق التمرد الكردي في جنوب شرقي البلاد، هذا إضافة إلى الانفلات الأمني الذي شهدته اليمن منذ دخولها في مرحلة ما يسمّى بـ“الربيع العربي”، وحتى سيطرة الحوثيين على معظم المدن اليمنية التي باتت تئن تحت وطأة هذه العصابات الخارجة عن القانون التي تدعمها دون خجل أو وجل الحكومة الثيوقراطية في إيران، بل إنّ علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني علي خامنئي، قد صرّح بأنه يثق في انتصار الحوثيين، ولا يراوده الشك في ذلك، بل إنه يأمل أن تقوم جماعة “أنصار الله” بنفس الدور الذي يقوم به “حزب الله” في لبنان. وهو يعني من دون شك أن تتحول اليمن إلى دولة فاشلة مثلها مثل العراق أو سوريا أو لبنان التي تشرذمت جميعها، وتحولت إلى أقوامٍ ونحل وطوائف متصارعة يقتل بعضها بعضا في وضح النهار.

لا يختلف الموقف الدولي، ونعني به الأميركي على وجه التحديد، عن الموقفين السابقين، فهو الأضعف على مدى سنوات الاحتكاك بين الإدارة الأميركية والحكومة الإيرانية التي تغوّلت خلال حقبة باراك أوباما الذي يتفادى الحروب ويحاول أن ينأى بقطعاته العسكرية عن دائرة المواجهات مع إيران أو غيرها من الدول التي لا تجد ضيرا في استعمال العنف أو القوة المفرطة هنا وهناك، بحجة حماية أمنها الوطني وضمان مصالحها القومية، وما إلى ذلك من أسباب جاهزة لا تحتاج إلا إلى اليد التي تسحب هذا الملف من الدُرج وتضعه فوق طاولة المراهنات السياسية.

التغوّل الإيراني ليس جديدا، بل يعود إلى أعماق التاريخ الموغل في القِدم، ولا تريد هذه الدولة المتجبِّرة أن تنصاع لمفاهيم الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وتعترف بضرورة ترسيخ السلم المحلي أو الإقليمي أو العالمي، وتمارسه كحقيقة دامغة يحتاج إليها المجتمع الإيراني قبل غيره من الشعوب المجاورة لهذا البلد الذي بات يؤرِّق الجميع.

فمنذ سقوط الشاه ومجيء الملالي عام 1979، والحكومة الإيرانية لا تتورع عن التدخل في الشؤون الداخلية لبلدان المشرق العربي، وحينما تمادت في غيّها وعدوانها على العراق شمّر الجيش العراقي عن ساعديه وقلّم براثن الوحش الكامن في ذهنية القادة الإيرانيين الممسوسين وأعادهم إلى رُشدِهم. وهم اليوم بحاجة إلى مثل هذا الجيش الذي يردّ لهم الصاع صاعين، ويلجم مثل هذه التصريحات المتغطرسة، ويعيد الأمور إلى نصابها الصحيح.

فليس من حق الحكومة الإيرانية أن تدسّ أنفها في الشأن الداخلي لأي دولة عربية أو أجنبية إلاّ في حدود ما تسمح به الأعراف الدولية والعلاقات الرسمية المتبادلة بين الدول والشعوب. فهل يُعقل أن ترسل إيران خبراءها وطياريها ومقاتيلها ومتطوعيها إلى العراق بحجة الدفاع عن “العتبات المقدسة” التي يحميها العراقيون، أصلا، منذ مئات السنين ولم يطلبوا ذات يوم المعونة من أحد لحماية ذرّة تراب عراقية واحدة، فكيف يطلبونها من الحكومة الثيوقراطية في طهران التي سرقت حتى الأمانة التي أودعتها عندهم الحكومة العراقية، حينما تعرض الشعب العراقي إلى أبشع عدوان أنجلو- أميركي في العصر الحديث، وما تزال تحتفظ بطائرات العراق العسكرية والمدنية على حد سواء؟

بأي وجه حق تُرسل الحكومة الإيرانية عشرات القادة العسكريين، وآلاف المتطوعين المُغرّر بهم إلى دمشق لحماية أبشع دكتاتور وحشي شرّد ثلث الشعب السوري من أراضيه ومدنه العزيزة مبعثرا إياهم في المنافي العربية والأوروبية؟ لماذا لا يحتج الشعب الإيراني على السلوك الإجرامي لمنظومة الدولة الثيوقراطية المتخلفة في طهران؟

لماذا يرسل الإيرانيون أبناءهم لكي يموتوا في العراق وسوريا ولبنان بحجج طائفية واهية لا تستفيد منها غير الحكومة الإيرانية، التي يجب أن تُركن في زاوية منسية في أحد المتاحف التاريخية بطهران؟

لماذا تؤجّج هذه الحكومة الإيرانية الأوضاع الأمنية في عموم المدن اليمنية، وتفتخر بما يفعله الحوثيون الخارجون عن القانون؟ هل تقبل الحكومة الإيرانية أن نتدخل بشكل سافر ونؤجج الصراع في عربستان المحتلة منذ أكثر من تسعة عقود ونؤازرها في حق تقرير المصير؟

هل يجوز أن تبعث أي دولة عربية أو إسلامية خبراءها وجنودها ومقاتليها إلى إيران بحجة حماية السُنة في بلوشستان؟ أو حماية الكرد والتركمان والأرمن الذين يتعرضون إلى انتهاكات صارخة وخطيرة؟

وفي الوقت الذي ننبّه فيه الحكومة الإيرانية إلى ضرورة الكفّ عن التدخل في الشؤون الداخلية للعالم العربي، على وجه التحديد، نذكّر الشعب الإيراني الذي نكنّ له كل المودة والتقدير بأنه يتحمل جزءا من هذه المسؤولية التاريخية. فمثلما تمتد الأذرع الأخطبوطية لحكومتهم العدوانية وتنهش لحم هذا البلد أو ذاك، فإن الدول العربية قادرة على أن تلعب دورا مماثلا إن هي وجدت أن الكيّ هو آخر علاجٍ ممكن ومتاح. فلا تضطروا البلدان المجاورة أن تلعب بأوراقها الرابحة أيضا وأن توقظ المردة النائمين عربا وكردا وتركمانا وبلوشيين وقوميات وأعراقا أُخرى يعرفها الإيرانيون أفضل من غيرهم، لأنّ صاحب البيت أدرى بالذي فيه، كما يُقال.


كاتب عراقي

8