التغيرات المناخية توقظ الفيروسات الفتاكة من سباتها

لا يقتصر خطر الارتفاع القياسي في درجات الحرارة على انتشار الأمراض التي تنقلها الحشرات المتكاثرة في المياه الراكدة والأجواء الرطبة، فقد دق العلماء ناقوس الخطر بعد تسارع وتيرة ذوبان الجليد الذي يسحب معه عبر المياه أعدادا لا حصر لها من الفيروسات والبكتيريا المجمدة منذ الملايين من السنين.
الخميس 2017/05/11
العلماء يخشون ظهور فيروسات أشد مقاومة للمضادات

باريس – يبدو أن الحرب الشرسة بين البشر والبكتيريا والفيروسات لن تنتهي، فعلى مر التاريخ، واجه الإنسان أشكالاً متعددة من هذه الكائنات، مثل الطاعون والجدري والجمرة الخبيثة، لكن أسلحتها الهجومية تتجدد لتعاود مهاجمة الإنسان بطرق مختلفة.

وفي عام 1928 حدث اكتشاف مهم، على يد العالم البريطاني ألكسندر فليمنغ الذي استخدم "البنسلين" كأول مضاد حيوي لحماية الإنسان من الأمراض الخطيرة، ومهّد هذا الاكتشاف الطريق لحقبة جديدة في علاج الالتهابات، جعلتنا لم نعد بحاجة إلى الاعتماد على أجسامنا للتخلص من البكتيريا.

لكن على مدى العقود القليلة الماضية أصبحت قدرة المضادات الحيوية على منع نمو البكتيريا والفيروسات محدودة إلى حد كبير، إذ ازدادت أعداد السلالات البكتيرية المقاومة للعلاج بالمضادات الحيوية.

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو: ماذا سيحدث لو تعرضنا فجأة لهجوم جديد من البكتيريا والفيروسات القاتلة المخبأة منذ الآلاف من السنين، أو التي لم تصادفنا من قبل؟

هذا ما طرحه باحثون فرنسيون، في سياق تحذيرهم من الآثار المحتملة للتغيرات المناخية التي ستؤدي إلى ذوبان الجليد المتجمد منذ قرون عديدة، والذي يحوي فيروسات وبكتيريا قديمة، ستستيقظ من سباتها، وتعود إلى الحياة من جديد، بحسب تقرير نشرته شبكة "بي بي سي" البريطانية.

التربة المجمدة هي المكان المثالي لبقاء البكتيريا على قيد الحياة لفترات طويلة جدا، ربما تدوم مليون سنة

ففي أغسطس 2016، وقع حدث غريب، في شبه جزيرة يامال الواقعة على بعد 2500 كيلومتر شمال شرق موسكو، بالدائرة القطبية الشمالية، حيث توفي صبي يبلغ من العمر 12 عاما، ودخل 23 شخصا إلى المستشفى بعد إصابتهم بالجمرة الخبيثة.

ويكشف ظهور مرض الجمرة الخبيثة، بعد 75 عامًا على تسجيل آخر إصابة بهذا المرض في المنطقة، حجم التهديد الذي يشكله ذوبان التربة الصقيعية، وهي أراض جليدية تضم فيروسات قاتلة بعضها متجمد منذ الآلاف من السنين، وسط تساؤلات عن إمكانية عودة ظهور أمراض خطيرة كالجدري بفعل التغير المناخي.

وبحسب العلماء، يعود ظهور هذه الحالات على الأرجح إلى ذوبان الجليد عن جيفة غزال "الرَنّة" التي نفقت بسبب إصابتها بالجمرة الخبيثة قبل عدة عقود.

فبعد انتقال هذه البكتيريا القاتلة -وهي عامل مسبب للأمراض ينتشر بسهولة في شكل خلايا تكاثر- إلى المياه والتربة القريبة منها، انتقلت الإصابة إلى قطعان من غزلان "الرَنّة" المنتشرة في المنطقة.

وحذر العلماء من أنه مع استمرار ارتفاع درجة حرارة الأرض، سوف يذوب المزيد من الجليد المجمد.

ويعرف العلماء منذ زمن بعيد الأثر المأساوي الذي يخلّفه ذوبان الجليد في التربة الصقيعية أو التربة المجمدة -وهي أراض متجمدة بطريقة دائمة في العمق- على أنماط الحياة والأنظمة البيئية.

ويقول الباحثون إن التربة المجمدة هي "المكان المثالي لبقاء البكتيريا على قيد الحياة لفترات طويلة جدا، ربما تدوم مليون سنة".

عالم البيولوجيا التطورية، جان ميشيل كلافيري في جامعة "إكس مارسيليا" في فرنسا، قال "إن الجليد يشكل بيئة مناسبة جدا لحفظ الميكروبات والفيروسات".

وأضاف "تبقى الفيروسات المسبب الرئيسي للأمراض التي يمكن أن تصيب البشر أو الحيوانات في الطبقات الصخرية القديمة، بما في ذلك بعض الأمراض التي تسببت في أوبئة عالمية في الماضي".

وأشار إلى أنه في أوائل القرن العشرين وحده، توفي أكثر من مليون رأس بسبب الجمرة الخبيثة، ولم يكن سهلا حفر مدافن عميقة، لذلك تم دفن معظم هذه الحيوانات بالقرب من السطح. ويبلغ عددها حوالي 7000 مدفن شمال روسيا، لذلك فالخطر الكبير يكمن تحت التربة المجمدة.

علماء وكالة "ناسا" وجدوا حوالي 14 نوعا مختلفا من الجراثيم والكائنات الدقيقة والفيروسات التي لم تكن معروفة سابقا في مجال العلوم

وفي عام 1890، أصيبت سيبيريا بوباء الجدري الذي أدى إلى وفاة ما يصل إلى 40 بالمئة من سكانها ودفنت جثثهم تحت الطبقة العليا من الجليد المتجمد، على ضفاف نهر كوليما، وبعد 120 عاما على الواقعة بدأ ذوبان التربة الصقيعية في المنطقة.

وفي مشروع بدأ خلال تسعينات القرن الماضى، اختبر علماء من مركز أبحاث علم الفيروسات والتكنولوجيا الحيوية في جامعة نوفوسيبيرسك الروسية، عينات من جثث الرجال الذين لقوا حتفهم خلال الأوبئة الفيروسية في القرن التاسع عشر ودفنوا في التربة الصقيعية الروسية.

ووجد الباحثون قروحا مميزة للعلامات التي تركها الجدري في الجثث، ورغم أنهم لم يجدوا فيروس الجدري نفسه فقد اكتشفوا شظايا من الحمض النووي للفيروس.

وفي فبراير 2017 أعلن علماء وكالة "ناسا" أنهم وجدوا حوالي 14 نوعا مختلفا من الجراثيم والكائنات الدقيقة والفيروسات التي لم تكن معروفة سابقا في مجال العلوم. كما وجدوا أن هذه الكائنات عاشت في بيئة معزولة لمدة أكثر من 60 ألف سنة. وقد عثروا على هذه الكائنات في بلورات من الكريستال في كهف بالمكسيك.

وفي دراسة أجريت عام 2005، نجح علماء وكالة الفضاء والطيران الأميركية “ناسا” في إحياء بكتيريا كانت مغطاة في بركة مجمدة في ألاسكا لمدة 32 ألف سنة.

وفي 2014 تمكن باحثون فرنسيون بجامعة "إكس مارسيليا" من إعادة فيروس عملاق مجهول إلى الحياة بعد أن ظل متجمدا في الجليد على مدى نحو 30 ألف سنة.

وشرح الفريق البحثي أن الفيروس الذي أطلقوا عليه اسم "بيثو فيروس سايبركوم" يصيب أنواعا معينة من الأميبيا، التي تعيش داخل الأمعاء بشكل طفيلي أو متعايش.

والفيروسات العملاقة هي فيروسات كبيرة مثل البكتيريا، وتُمكن رؤيتها باستخدام ميكروسكوب ضوئي. وكان العلماء يعرفون حتى الآن مجموعتين مختلفتين جدا من الفيروسات العملاقة، الأولى مجموعة "ميغا فيروس" التي يندرج تحتها نوع واحد من الفيروسات وهو "ميغا فيروس شيلينسس"، والثانية مجموعة "فيروسات باندورا"، ولم يتم الكشف عن هاتين المجموعتين إلا قبل نحو 10 سنوات.

لكن فريق الباحثين اكتشف نوعا ثالثا من هذه الفيروسات العملاقة يبلغ طوله 1.5 ميكرومتر، وذلك بعد إذابة عينات من الجليد الدائم وترك هذه الفيروسات تعيش مع ما يعرف بـ"أميبيا الشوكميبة" والتي يستخدمها العلماء أرضية لإعطاء الفيروسات فرصة للتكاثر مرة أخرى.

وبحسب عالم البيولوجيا التطورية، جان ميشيل كلافيري، يظل الخطر الكامن حول التهديدات بذوبان الجليد غير معروف بشكل كبير، لكنه يظل موجودًا، خاصة في ظل ظهور أنواع من البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.

17