التغيير

الأربعاء 2015/03/11

كثيرا ما سمعت من بعض الأصدقاء أن فلانا ضعيف تجاه التغيير.. ولأنني كنت غالبا أحسب نفسي من المغامرين أو المزاجيين الملولين.. لم أكن لأستوعب معناها.. فما أعرفه عن نفسي ويعرفه عني المقربون إنني أعشق التغيير.. فأحب السفر مثلا ولدي فضول للاكتشاف والتحليق وتعلم مهارات جديدة والتعرف على وجوه وحيوات وعادات جديدة..

ولكنني اكتشفت بمرور الوقت مدى تعلقي بالأشياء والأماكن والأشخاص ممن يعزّ عليّ فراقهم.. حتى أدركت أن عشقي للتغيير إن هو إلا ميل سطحي أو خارجي.. بينما أحسّ من الداخل أنني أملك ثوابتي التي يصعب عليّ جدا أن أحيد عنها.. فهل غدوت أنا الأخرى ضعيفة تجاه التغيير؟

يقول هيرقليطس “الشيء الوحيد الثابت في الحياة هو التغيير”.. ويقول أيضا “أنت لا تستطيع أن تسبح في ماء النهر ذاته مرتين.. لأن الماء يتغير وكذلك أنت”..

نحن نحتاج أن نتحلّى ببعض الشجاعة والصبر.. أو ربما الجلد.. لنواجه التغيير في ثوابت حياتنا.. سواء أكان التغيير قدريا أو خارجا عن إرادتنا.. فيصدمنا أو يربك عاداتنا اليومية أو اعتمادنا على أشياء تبدو وكأنها واقع حال.. وهي في الحقيقة يمكن أن تغيب عنا فجأة أو نضطر للتخلي عنها بلا مقدمات.. أو أن يكون تغييرا جاء بقرار نتخذه بمحض إرادتنا فنكون ملزمين بالتمسك به وتحمل مسؤوليته بصفته خيارا شخصيا رغم ثقله واستحالة احتماله أحيانا..

ينسحب كلامي هذا على كل ما في حياتنا اليومية من تغييرات محتملة: تغيير السكن .. العمل.. غياب شخص عزيز أو رحيله عن العالم.. الإقلاع عن عادات معينة.. الإصابة بمرض أو نكبة.. وأيضا وقبل كل شيء: ما يحيق بنا من نوائب تجلبها الحروب أو الكوارث..

ورغم أن الأهوال تعلم الإنسان القوة رغم أنفه حين يصبح على محك المجابهة مع ثنائية الحياة والموت.. إلا أن ما يتبع ذلك من نتائج هي الأهم ربما والأجدى بالدراسة والتمعن.. فوقوع الحدَث شيء.. وآثاره وما يترتب عليه شيء آخر تماما..

وبحسب آينشتاين فإن “بإمكان الإنسان أن يبدأ حياته فعلا عندما يستطيع الحياة خارج نفسه”.. وهذه المقولة تقع على جوهر فكرة التغيير.. التي منها نستطيع ربما أن نكون أقدر على التكيّف مع المحيط الجديد الذي أربكـَنا التغيير الحاصل فيه، سواء أكان باختيارنا أو رغما عنا.. وإذا ما حسمنا أمرنا من داخلنا وقررنا عدم الاستسلام.. يمكننا عندئذ أن نكنس أرواحنا من غبار المعتاد ونحاول أن نستنشق هواء خارجيا جديدا مختلفا أيا ما كان نوع الاختلاف..

العزيمة ومعها عامل الزمن هما أهم صديقين لفكرة التغيير.. نستطيع الاتكاء عليهما إذا حسمنا أمرنا وطردنا فكرة اليأس خارج محيط دواخلنا.. أما الخوف من المجهول والجهل به فهما أسوء المعوقات التي تقف إزاء التغيير.. فقد يداهمنا السؤال العظيم “والآن.. ماذا سنفعل؟.. ماذا بعد أن حدث ما حدث؟.. أين سنمضي بأرواحنا؟”

المشكلة إذا فينا قبل أن تكون خارجنا.. فإن تمكنّا من الخلاص منها ستكون فكرة التغيير ممكنة حاصلة وقابلة للاحتمال.. وتبقى المحاولات مبنية بشكل أساس على طبيعة كل إنسان ومدى ميله للتمسك بالحياة أو التخلي عنها..

صباحكم تغيير نحو الأجمل..

21