التغييرات الخارجية تفرض على مصر مراجعة استراتيجياتها

الأربعاء 2014/10/15
تحديث الجيش وتسليحه وبناء قاعدة صناعية تكنولوجية من عوامل النجاح

أكد أحمد أبوزيد، في دراسة صادرة عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية، تحت عنوان “نحو استراتيجية وطنية مصرية في القرن الحادي والعشرين: تصورات مبدئية”، أن أية محاولة لإعادة بناء وتشييد نظام ديمقراطي في الداخل ودعم المكانة المصرية إقليميا وعالميا، يتطلب وجود استراتيجية شاملة الجوانب سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا، حتى تستطيع مصر مواجهة التهديدات والمخاطر المتصاعدة والمتعددة.

ولفت الباحث بمعهد الدبلوماسية الثقافية والمحاضر بجامعة الجزيرة الإماراتية، إلى أن تحقيق الاستراتيجية الوطنية يتم عن طريق معرفة الأزمات والتحديات التي تواجه الدولة في اللحظة الراهنة وفي المستقبل القريب ومحاولة إيجاد حلول لهذه التحديات والقضاء عليها بأفضل وأسرع طريقة ممكنة، وبصورة تحد من انتشارها مرة أخرى في المستقبل.

ويطرح أبوزيد خمس استراتيجيات وطنية رئيسية يمكن أن تشكل مسارا للدولة هي العزلة والأمن التعاوني والانغماس التلقائي والهيمنة وسياسة متعددة الجوانب.

الاستراتيجية الانعزالية، كما يوضحها أبوزيد، هي التي تدعو إلى الانسحاب من السياسة الدولية، من أجل الحفاظ على الأمن القومي وضمان استقلال الدولة الاستراتيجي، فلا داعي للتدخل خارجيا. وقد تساعد هذه الاستراتيجية على تحقيق الرفاهية والنمو الاقتصادي وتحسين الأوضاع الداخلية. ويرى أبوزيد أن هذه الاستراتيجية هي أقل الاستراتيجيات قبولا وشعبية بين الدول خاصة في ظل هيمنة حالة العولمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على المجتمع الدولي.

أما استراتيجية الأمن التعاوني فيشير إلى أن السمة المميزة لها هي إيمانها أن السلام غير قابل للتجزئة، ولذلك فمن مصلحتها نشر السلام كونها قائمة بالأساس على أسس ليبرالية وليست واقعية كبقية الاستراتيجيات. وخلافا للأطروحات الواقعية لا تنظر هذه الاستراتيجية ولا تعتبر القوى الدولية الديمقراطية خطرا على الأمن الدولي، كونها تؤمن بمقولات السلام الديمقراطي القائلة إن الدول الديمقراطية أو التي في طريقها للديمقراطية أقل ميلا للحرب والدخول في صراعات مسلحة مع مثيلاتها من الديمقراطيات، وهو ما سيعني أنه لن يكون هناك منافسات بين القوى الكبرى في المستقبل، كما كان سائدا في الماضي، كلما زاد عدد النظم الديمقراطية، وهو ما يعني أن دوافع التعاون بينهم ستكون أكبر، والعوائق التي تحول دون ذلك ستتناقض، وهو ما سيسهل في نشر السلام والاستقرار العالمي والاقليمي.

الاستراتيجية الوطنية الأفضل لمصر الثورة

تحفز استراتيجية الأمن التعاوني وتدعو إلى أن تشارك مصر في منظومة من التحالفات والترتيبات والمنظمات الإقليمية والمؤسسات الدولية من أجل تحقيق أهدافها ومصالحها الوطنية العليا. كما تحاول التغلب على أوجه القصور في استراتيجية الأمن الجماعي التي تعني العمل الدولي الجماعي لردع وإحباط العدوان على أي طرف دولي آخر، عن طريق تقوية التعاون الدولي من أجل مواجهة الدولة العدوانية والهجومية.

الانتقاد الرئيسي لهذه الاستراتيجية ـ حسب أبوزيد ـ هو أنها لا تزال قائمة على الافتراض القائل إن الدول لن تكون قادرة على السمو فوق المفاهيم الضيقة للمصلحة الوطنية استجابة لنداءات الصالح العام، والانخراط في أنشطة تبدو لهم نوعا من الإيثار المسلح.

وبخصوص استراتيجية الانغماس الانتقائي يوضح أبوزيد أنه طبقا لهذه الاستراتيجة، فإن مصر ستعمل بكل قوة للحيلولة دون وقوع حروب وصراعات مسلحة ثنائية بين القوى الإقليمية في الشرق الأوسط كونها الخطر الأكبر على مصالحها وأمنها القومي. ويشترط دعاة استراتيجية الانغماس الانتقائي أن الدولة لا ينبغي عليها التدخل أو الانغماس إلا في المناطق الدولية والإقليمية التي تؤثر مباشرة في أمنها وازدهارها، أي تلك المناطق التي تعتبرها وتنظر لها الدولة على أنها موضوعات أمن قومي، أما غير ذلك فإنه سيصبح خطأ استراتيجيا فادحا، وتتمثل هذه المناطق في دول حوض النيل، منطقة الخليج العربي، وفلسطين والشام.

أما الاستراتيجية الرابعة، “استراتيجية التفوق”، فهي كما يرى أبوزيد، امتلاك القوة من أجل تحقيق السلام، إلا أن هذه الاستراتيجية تركز بالأساس على وجود وضع معين للقوة، حيث يجادل أنصار هذه الاستراتيجية بالقول إن الادعاء بوجود قوة مصرية متفوقة ومهيمنة على المنطقة هو الضمان الوحيد لتحقيق وتأمين السلام. حيث سيضمن اختلال وتباين توازن القوى لصالح مصر، الذي سيمنع أية قوى إقليمية من تحديها والتوازن ضدها، تعزيز قدراتها على إقرار السلام. وبناء على ذلك فإن السياسة الخارجية للنظام السياسي المصري يجب أن تركز على الحفاظ على ديمومة القوة المصرية ومنع أي قوة أخرى من أن تصبح منافسا حقيقيا لها في المنطقة، وأن تعمل مصر ـ من جانب آخر ـ على احتواء إسرائيل وإيران وبقية المتنافسين بدلا من الانغماس معهم.

ويخلص أبوزيد أن التعدد والتباين اللذين تمتاز بهما مصر جغرافيّا وحضاريّا يفرضان عليها انتهاج سياسة متعددة الجوانب. مراكز تحركها الأساسية هي منطقة الوطن العربي والشرق الأوسط بالدرجة الأولى.

كما يخلص إلى أن نجاح مصر يكمن في تعبئة واستغلال مواردها الطبيعية والبشرية والمادية، واستعادتها لعافيتها الاقتصادية، وإعادة ترميم مكانتها الثقافية والفكرية وتحديث جيشها الوطني وتسليحه وبناء قاعدة صناعية تكنولوجية، وقبل كل ذلك بناء نهضة علمية حديثة وصهرها في منظومة وطنية.

6