التغييرات السعودية.. أولوية الدوافع الداخلية

هل على صانع القرار السعودي أن يهتم برد الفعل الداخلي من التغيرات التي يحدثها ضمن استراتيجية واعدة، أم عليه أن يولي اهتماما لردود الأفعال العربية والمسلمة مادامت المملكة تقود العالم الإسلامي عقائديا وسياسيا وعسكريا؟
الأربعاء 2018/04/25
" السعودة" أصبحت مشروعا مبجلا ونافذا ومثمرا

أنظار العرب والمسلمين مشدودة بلهفة الحنين إلى المملكة العربية السعودية، حنين إلى المقدس مكانا وزمانا، وتلك حالة غير جديدة لأن ميراث الإيمان المتراكم، هو الدافع إلى الاستمرارية، رغم محاولات دوائر عديدة تحويل العلاقة بين السعودية وقلوب الملايين التي تهوي إليها إلى تذمر وتوتر وفوضى وإلى انقطاع لو أمكن، لكن الجديد اليوم في الحنين نحو السعودية، يتمثل في النظر إلى التغيير الحاصل هناك وما يحمله من تناقض بين فهم للدين وانعكاس ذلك على الحياة في التجربة السابقة، وبين عصرنة المجتمع السعودي وما سيترتب عليه من تعاط مع أحداث وقضايا العرب والمسلمين.

هناك مخاوف واسعة النطاق على المستويين العربي والإسلامي مما يجري في السعودية اليوم، ومن تلك المخاوف، وفي ركن بعيد غير هادئ، يظهر طرح يركز على مصير السعودية مستقبلا، حاملا ” فوبيا” من هزات غير محتملة العواقب، انطلاقا من أن كل المعطيات الراهنة تشير إلى تغير سريع ينقل المجتمع السعودي من النقيض إلى النقيض.

 هنا توظّف الأخلاق والقيم والعادات باعتبارها حواجز صدّ، وكأن على صانع القرار في السعودية أن يفكر من وراء جُدُر، وذلك الطرح، إن قُبِل أو تمَّ الأخذ به، يضعنا أمام سؤال جوهري، نصه: هل على صانع القرار السعودي أن يهتم برد الفعل الداخلي من التغيرات التي يحدثها ضمن استراتيجية واعدة ما دام الأمر يخص الداخل، أم عليه أن يُولِي اهتماما لردود الأفعال العربية والمسلمة مادامت المملكة تقود العالم الإسلامي عقائديا وسياسيا وعسكريا في الوقت الراهن؟

لا أعتقد أن هذا السؤال غائب عن عقل صانع القرار في السعودية، لكن إلى أي مدى هو مهتم بالبحث عن إجابة له؟ الواضح أن انشغاله بمتطلبات الجبهة الداخلية والتفاعل معها، سلبا أو إيجابا، ألهاه عن التفكير في ما سيترتب من تغيير داخلي على صعيدي الأمتين العربية والإسلامية، وأعطى انطباعا عاما بأن “السعْوَدة” أولوية في الداخل، وهذا أمر مطلوب وضروري لكنه محفوف بجملة من المخاطر، من أهمها أن السعودية، على خلاف كل الدول، مجبرة على القيام بدور قيادي على مستوى العالم الإسلامي، وأن يكون هذا الأخير حاضرا في كل استراتيجياتها وخططها، لأن تلك هي قوتها الحقيقية وليست ثروتها كما يروج البعض، ذلك لأنها البلد الآمن طبقا لدعوة أبينا إبراهيم عليه السلام.

التغيير في السعودية شأن داخلي خالص، إذا نظرنا إليه من الزاوية الوطنية، سواء في بعدها الجغرافي أو البشري أو التاريخي، وتبعا لذلك فإن الذي يحق له الحسم فيه لجهة قبوله أو رفضه هو الشعب السعودي بمختلف فئاته وطبقاته، ويمكن لمن هو غير سعودي، متابعة المشهد في المملكة، وتحليل ما يحدث والتعليق عليه، لكنه مهما أوتي من قدرة على التحليل أو اكتسب من معلومات، ليس طرفا في صناعة الأحداث داخل السعودية أو في تنفيذ استراتيجيتها أو إحداث التغيير فيها، وما نتابعه من الناحية الإعلامية، خاصة في الإعلام الإلكتروني، من تهويل للسلبيات نتيجة التغيرات الحاصلة مع أنها لا تزال في بدايتها، يعتبر تشويشا على مقاصد التغيير وأهدافه.

القول بأن التغيير في السعودية شأن محلي وخاص، وأنه لا يحق للأقربين أو الأبعدين التدخل فيه، يتطلب أمرين من صانع القرار السعودي، الأول أن لا يتدخل في شؤون الدولة الأخرى إلا عندما تقتضي المصالح القومية للمملكة ذلك. الأمر الثاني أن لا يقع في نفس الأخطاء التي وقع فيها بعض القادة العرب خلال العقود الماضية من محاولات، أحيانا بالعنف، لتصدير خياراتهم الوطنية، خاصة نمط السلطة ونظام الحكم، وهذا يعني أن السعودية مطالبة اليوم في ظل التغييرات الواسعة والجريئة، بتنشيط الذاكرة الجماعية للأمة بحيث يتسع الاجتهاد والتعايش لأصحاب الرؤى والنظريات المختلفة المتعلقة بالدين، على أن تستثنى منهم جماعات العنف والإرهاب وأهل الغل، وتيارات الإسلام السياسي.

غير أن الاستجابة للأمرين السابقين ستجعل السعودية بعيدة عن التدخل في شؤون الدول الإسلامية، وهذا سيفقدها دورها، بحكم أنها أرض الوحي وفيها مقدساته، وإليها تشد الرحال لأداء فريضة الحج، وبما أنها مجبرة على دورها الديني، حتى لو رفضت هي ذلك، أو حاولت أن تكون دولة مدنية على النحو الذي تركز عليه بعض أطروحات قادة رأي سيدخلون البلاد في صراع بات وشيكا، أو يجعلون المملكة تفقد قوتها المنبثقة أساسا من المقدسات الدينية، التي تحاول دول إسلامية ومعها دول أجنبية تدويلها لحاجات في نفسيهما، فإن ذلك يعطيها الحق في التدخل ضمن أطر واضحة للعلاقات مع الدول الإسلامية صاحبة الشأن، بما يحقق الحنين، الذي تكلمت عنه في بداية المقال، وهذا سيُحمّلها شرف قيادة الأمة.

ولكي تكون قائدة فعليها أن توفق بين مشاريعها المحلية، ورسالتها في العالم، وتكون في مقدمة الصفوف للدفاع عن القضايا الكبرى مادام الإسلام موجها لكل البشر، منه تنطلق حتى لو رجحت كفة الدولة المدنية، وتحركت داخل حدودها، وأصبحت” السعودة” مشروعا مبجلا ونافذا ومثمرا.

9