التغييرات المفاجئة في إثيوبيا تفجر خصومات عرقية كامنة

على السلطات في إثيوبيا أن تقوم بإصلاحات مدروسة وحذرة لتجنب كابوس البلقان.
الجمعة 2019/01/18
طريق الإصلاح مكبل بالتعقيدات العرقية

أديس أبابا - في غضون بضعة أشهر، نجح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي تولى السلطة في أبريل 2018، في أن يدخل ببلاده إلى مرحلة جديدة أعادتها على الخارطة الدولية الكبرى، مستفيدا من نزعة إثيوبية صاعدة منذ عهد سلفه مليس زيناوي، ترى في هذا البلد الأفريقي الذي ارتبط اسمه بالصراعات والفقر دولة مهيمنة إقليمية.

وفعلا، شهدت إثيوبيا تحولا دراماتيكيا على المستويين الخارجي والداخلي. في السياسة الخارجية كان توقيع اتفاق السلام مع إريتريا بعد سنوات من المتوترة الأبرز.  ولتحقيق الأمن الداخلي، وهو ما سعى إليه آبي أحمد من خلال العفو عن الآلاف من الأفراد والمنظمات التي سبق وأن صنّفت ضمن لوائح الإرهابيين وأطلق سراح السجناء السياسيين وسعى إلى فتح الاقتصاد الذي تسيطر عليه الدولة وإصلاح الخدمات الأمنية.

وشمل هذا التحول تمكين وسائل الإعلام من نقل الأحداث بحرية أكبر، وإنشاء مجالس إصلاح ومجموعات عمل لمراجعة القوانين التي كانت تقمع الحقوق المدنية والسياسية، وجعل نصف مجلس وزراء الحكومة يتكون من نساء.

لكن، لا يبدو أن التحول بهذه السهولة في بلد معقد التركيبة مثل إثيوبيا. إذ تعتبر إثيوبيا عملاقا متعدد الأعراق، فعدد سكانها 100 مليون شخص ينتمون إلى أكثر من 80 مجموعة عرقية، يتحدثون لغات مختلفة، مما يعطي تحولها أهمية إقليمية أكبر.

خبراء يحذرون: لا يجب ترك إثيوبيا تصبح يوغسلافيا جديدة 

وفي هذا التحول خطر، قد تزداد حدة النزاعات العرقية، سواء نتيجة لرد فعل عنيف من جانب القوى المحافظة التي ترفض الإصلاحات السريعة أو بسبب التحرير المفاجئ للفضاء العام. وقد تؤدي هذه الصراعات بدورها إلى تحركات قد تصل إلى الانفصال، كما يمكن أن تكون لها عواقب مميتة في المجتمعات التي يعتبر فيها العنف الوسيلة الرئيسية لتسوية النزاعات الطائفية.

واندلعت في أواخر ديسمبر 2018 أحدث اشتباكات مميتة بين عرقية عفار وقبيلة عيسى الصومالية وهم أقلية في المنطقة. كما شهدت البلاد عدة احتجاجات على خلفية تصاعد العنف العرقي أحدثها الأسبوع الماضي حين أغلق متظاهرون في منطقة عفار بشمال شرق إثيوبيا الطريق الرئيسي المؤدي إلى البحر.

توتر عرقي

الحذر واجب
الحذر واجب

يقول منتقدو رئيس الوزراء آبي أحمد إن إصلاحاته السياسية سمحت لخصومات عرقية كامنة بالظهور مجددا في ثاني أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان. ويرى الباحثان في فلوريان بيبر وونديماغين تاديمي، أن تجربة إثيوبيا تذكّر بتجربة يوغسلافيا.

ويشير بيبر وتاديمي، في تحليل نشرته مجلة فورين بوليسي، إلى أن النظام السياسي في إثيوبيا أصبح يشبه نظام يوغوسلافيا في التسعينات، فمثلا على غرار يوغسلافيا، تعتبر إثيوبيا دولة فيدرالية ذات تسع وحدات منظمة على أسس عرقية: إقليم تيغراي، الصومالية، أمهرة، وأوروميا (حوالي 80 بالمئة من إثيوبيا) التي تأخذ اسمها من المجموعات العرقية المسيطرة.

إنّ تمكين المجموعات العرقية من خلال الحكم الذاتي الإقليمي هو سلاح ذو حدّين: في حين أن السماح بالحكم الذاتي قلل من التوتر الناشئ عن هيمنة مجموعة معينة، فإنه يضع الانتماء العرقي في مركز السياسة ويربطه بالأقاليم، وبالتالي يهدد بزيادة التوترات العرقية.

وسيطرت يوغسلافيا على مجموعة متعددة الجنسيات من الشيوعيين، التي أصبحت كونفيدرالية في الأحزاب الجمهورية في 1990. كما حكمت الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية لعقود، وهي ائتلاف يهيمن عليه جبهة التحرير الشعبية الاشتراكية تيغراي، التي تتشابه مع الإثنوفيدرالية في سياسات غير ديمقراطية.

وشهدت يوغوسلافيا تحولا سياسيا في أواخر الثمانينات، تماما مثل الذي تشهده إثيوبيا اليوم. أصبحت الأسئلة حول مستقبل النظام السياسي والاقتصادي شائعة، في وقت علت فيه السياسات العرقية على النضالات.

ويشير بيبر وتاديمي إلى أن المجموعات المحافظة، سواء كانت عسكرية ذات حلفاء في القيادة الصربية في يوغسلافيا أو جبهة تحرير شعب تيغري التي هيمنت لفترة طويلة في إثيوبيا، ستخسر أكثر من غيرها خلال التحول الديمقراطي.

بينما يبدو أنه لا يوجد سبب حالي للقلق، إلا أن المزاعم الانفصالية لجماعات صغيرة في المنطقة الصومالية الإثيوبية موجودة منذ عقود، مما يجعل المنطقة مركز نزاع. ويمكن أن تؤدي تيغراي بدورها إلى أزمة. وقد يعتبر البعض أن هذا الخطر غير موجود على أرض الواقع، وذلك بسبب الصورة الراسخة للمنطقة في دولة إثيوبية، حيث تقوم السلطات الإقليمية بتهديد ضمني بالانفصال وتمنع الوصول إلى المنطقة، فضلا عن توفير ملاذ آمن للأفراد المشتبه بهم في جرائم ضد الإنسانية وقضايا فساد. لكن في غياب إدارة دقيقة للتحول، فإنّ إثيوبيا تخاطر بتجزئة خطرة على أسس عرقية.

صعود القومية

اختلاف
تجنب التجربة اليوغسلافية

بعد وفاة الرئيس جوزيف بروز تيتو في 1980، خفف الشيوعيون من حدّة حكمهم في أجزاء كبيرة من يوغسلافيا، مما سهّل الحرية الإعلامية والمناقشات العامة والإصلاحات الاقتصادية. ولكن القومية تزايدت في تلك الفترة. وبما أن الحزب الحاكم لم يستطع اللجوء إلى القمع، ومع اختلاف الآراء داخله في أقاليم مختلفة من البلاد، أصبحت القومية أكثر انتشارا.

واندلعت الخلافات بين المثقفين والسياسيين الأثرياء في الشمال مع أولئك الأكثر فقرا في الجنوب، في وقت أصبحت فيه جرائم الحرب، التي ارتكبت خلال الحرب العالمية الثانية، مصدرا متزايدا للمناقشات المثيرة للجدل.

تضاءل الاهتمام بيوغوسلافيا وتراجع الدعم الدولي لها مع انتهاء الحرب الباردة. وبالإضافة إلى ذلك، زادت سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من التوترات في يوغوسلافيا لأنها طالبت بتبني سياسة تقشف تتجاهل الديناميكيات السياسية الداخلية وتغذي الاضطرابات الاجتماعية.

وأدت الأزمة الاقتصادية التي تلت ذلك إلى ارتفاع معدلات البطالة والنقص الذي قوض الثقة في الدولة اليوغسلافية.

وسرع غياب النخبة الموحدة وانهيار الأفكار والمؤسسات الموحدة من الانحدار إلى العنف. وتمت إعادة توجيه المظالم السياسية والاجتماعية من قبل بعض السياسيين، مثل سلوبودان ميلوسيفيتش، ضد الجماعات الإثنية الأخرى، لا سيما ألبان كوسوفو.

لا يتوقع تحليل فورين بوليسي أن يتكرر السيناريو اليوغسلافي في إثيوبيا، لكنه يعتبر تحذيرا: فخلال لحظات التحرر السياسي، تتأثر الأنظمة الفيدرالية العرقية.

إن حل يوغوسلافيا، والحروب التي تلت ذلك، يشكل تحذيرا من أن تحول الدول
ذات الهويات الجماعية المتنوعة والمقسمة يشكل مخاطر خاصة. وحتى الآن، يجنَب تحول إثيوبيا بعض مخاطر التجربة اليوغوسلافية.

7