التغييرات المناخية خطر يحدق بصحة أطفال الغد

قادة العالم يواصلون إهمالهم لمستقبل الأرض والبشرية رغم التحذيرات الكثيرة.
الجمعة 2020/02/21
أنقذوا أمّنا الأرض

لا يهتم قادة العالم بالاحتباس الحراري والانبعاثات السامة والكوارث المناخية، فكأنهم يعيشون يوما بلا غد رغم تحذيرات الباحثين في مجال الطب والبئية بالمخاطر التي بدأت تظهر جليا في انتشار الأمراض والأوبئة ونقص الطعام وجودته، البحوث والتحذيرات وحتى الاحتجاجات لن تنتهي حتى يتحقق الحد الأدنى من خفض الانبعاثات لعل أطفال المستقبل يتمتعون بعيش في بيئة سليمة.

باريس - حذّرت لجنة مشتركة من منظمتي الصحة العالمية واليونيسف ‏ومجلة ذا لانست الطبية العلمية في تقرير نشر، الأربعاء، من أنّ صحّة الأطفال في العالم أجمع تواجه “خطرا محدقا” بسبب عوامل عدّة من أهمها التغيّر المناخي، والممارسات التجارية الاستغلالية كالأغذية السريعة والمشروبات المحلاة بالسكر والكحول والتبغ، مشدّدة على أنّه ليست هناك أيّ دولة تحمي مستقبل أطفالها كما ينبغي.

وخلص معدّو التقرير الأممي، وهم مجموعة من 40 خبيرا مستقلا في مجال صحة الطفل من جميع أنحاء العالم، إلى أنّ “جميع الأطفال في العالم يواجهون حاليا أخطارا تهدّد حياتهم بسبب تغيّر المناخ والضغوط التجارية”.

وصرحت هيلين كلارك المشاركة في لجنة التقرير الذي يحمل عنوان “توفير مستقبل لأطفال العالم”، بأنه “على الرغم من التحسينات التي طرأت على صحة الأطفال والمراهقين على مدار العشرين عاما الماضية، إلا أن التقدم وصل إلى حده، ومن المتوقع أن يتخذ اتجاها معاكسا”.

وأوردت كلارك التقديرات التي تشير إلى أن “حوالي 250 مليون طفل دون سن الخامسة في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل معرضون لخطر عدم بلوغ كامل إمكاناتهم التنموية، استنادا إلى قياسات غير مباشرة للتقزم والفقر”.

وأكد التقرير أن دول العالم ما زالت فاشلة في ضمان الصحة والعافية للأطفال، وفي توفير مناخ موات لمستقبل حياتهم.

حوالي 250 مليون طفل دون سن الخامسة في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل معرضون لخطر عدم بلوغ كامل إمكاناتهم التنموية

ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، فإن نسبة 88 في المئة من انتشار الأمراض بين الأطفال ناجمة عن التعرض للتأثيرات السلبية للمناخ خاصة ممن تقل أعمارهم عن خمس سنوات، فضلا عن كونهم الأكثر عرضة للآثار الثانوية لظاهرة الاحتباس الحراري.

وأشارت بيانات سابقة للمنظمة، إلى أن الرضع أقل من عام واحد معرضون بصفة خاصة إلى الوفاة نتيجة ظاهرة الاحتباس الحراري وارتفاع درجات الحرارة، بواقع 5.5 في المئة للبنات و7.8 في المئة للذكور.

وسبقت هذا التقرير دراسات طبية عديدة دقت ناقوس الخطر في ما يتعلق بتأثير الاحتباس الحراري والانبعاثات السامة والكوارث المناخية على صحة الإنسان بصفة عامة وصحة الأطفال بشكل خاص، لاسيما في البلدان الأكثر فقرا.

وتشمل هذه التأثيرات الأطفال في منطقة الشرق الأوسط، فهم من بين الفئات الأكثر ضعفا أمام التغيرات المناخية، حيث تحول السيول والفيضانات دون ذهاب الأطفال إلى المدارس لأيام، كما أن اتساع مساحات التصحر سيؤدي إلى انحسار مياه الأنهار في العراق وقلة الأمطار في الأردن على سبيل المثال، إلى تعطيل النشاط الزراعي وإنتاج الغذاء ما يضر بالاكتفاء الغذائي بسبب القحط المائي، كما سيؤدي التغير المناخي بطريقة مباشرة وغير مباشرة إلى انتشار الأمراض من خلال المياه الملوّثة خاصة في الدول التي تشهد نزاعات كما في سوريا واليمن وليبيا.

العواقب الصحية

من أجل مستقبل أفضل
من أجل مستقبل أفضل

تقرير “توفير مستقبل لأطفال العالم” الحديث، يحذر من أنّه “إذا تجاوز الاحترار العالمي 4 درجات مئوية بحلول عام 2100، تمشّيا مع التوقّعات الحالية، فإن ذلك سيؤدّي إلى عواقب صحية مدمّرة للأطفال نتيجة ارتفاع مستوى المحيطات وموجات الحرّ الشديد وانتشار أمراض مثل الملاريا وحمّى الضنك، فضلا عن سوء التغذية”.

وقبل ذلك حذر الباحثون في المجال الطبي من مخاطر وعواقب حرق الوقود الأحفوري باستمرار، فانبعاثاتها السامة التي تساهم في تأثير الاحتباس الحراري تؤدي إلى أمراض الجهاز التنفسي مثل الربو لدى الأطفال والبالغين.

وتستشهد المنظمات الدولية بالفيضانات والجفاف وموجات الحر الشديدة في شتى أنحاء العالم، التي من شأنها التأثير المباشر في المياه ومصادرها، ناهيك عن التخريب الذي تحدثه في أنظمة توزيع المياه وإمداداتها وشبكات الصرف الصحي في البلدان الفقيرة، وهو ما يعرض الملايين من الأطفال للخطر.

وتشير بيانات للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية لشهري يونيو ويوليو لعام 2018، إلى ارتفاع قياسي لدرجات الحرارة في معظم أنحاء نصف الكرة الشمالي، فضلا عن موجات حر وجفاف وحرائق برية، بالإضافة إلى الفيضانات في مختلف أنحاء العالم، نتجت عنها إصابات وخسائر في الأرواح وأضرار بيئية وخسائر فادحة.

ويمكن القول إن الأطفال في منطقة الشرق الأوسط هم من بين الفئات الأكثر ضعفا أمام التغيرات المناخية، حيث ستحول السيول والفيضانات دون ذهاب الأطفال إلى المدارس لأيام، وسيؤدي التغير المناخي بطريقة مباشرة وغير مباشرة إلى انتشار الأمراض من خلال المياه الملوثة.

وكان العراق يحتل واجهة مناطق العالم التي شهدت أحداثا مناخية قاسية في 2018، وتميز صيفه بموجات حرارة غير مألوفة قياسا بالسنوات التي سبقت.

وفي العراق أدى ارتفاع درجات الحرارة عام 2018 إلى انقطاع مستمر في خدمات الكهرباء ونقص في مياه الشرب والزراعة والري، وانتشار الأمراض وإصابة عشرات الآلاف من السكان غالبيتهم من الأطفال.

وتسببت الأمطار الغزيرة التي شهدتها البلاد في شتاء وربيع 2019 بسيول جارفة وفيضانات شملت الكثير من المناطق بما فيها بغداد العاصمة، كما تسببت في انهيار الكثير من المنازل والجسور والطرق وانقطاع الخدمات، ناهيك عن إغلاق المدارس بسبب صعوبة وصول التلاميذ إليها.

وخلفت السيول أضرارا بالغة في بعض المناطق، وأدت إلى تخريب البنى التحية للمياه، فلجأت المجتمعات المتضررة بحسب منظمة اليونيسيف إلى استخدام مياه الفيضانات لتلبية احتياجاتهم الأساسية، وهو ما أدى إلى مخاطر صحية كبيرة.

لا مجال لتجاهل الوضع أكثر
لا مجال لتجاهل الوضع أكثر

ويتفق خبراء البيئة مع الأطباء على أن درجات الحرارة المرتفعة تؤدي  إلى زيادة تلوث الهواء، وتداخل المواسم السنوية في بعضها، لتكون أرضا خصبة لانتشار الحساسية بين الناس، والأمراض التي تنقلها الحشرات، فضلا عن الخطورة الحقيقية التي تتسبب في مقتل الإنسان نتيجة موجات الحر الأكثر تواترا، والعواصف الممطرة والفيضانات الأكثر كثافة وقوة.

وأوضحت البحوث العلمية أن الهواء السام الناجم عن أبخرة الوقود الأحفوري يقتل الناس بالفعل، ويقدر بأن الفحم وحده ساهم في أكثر من مليون حالة وفاة مبكرة في عام 2016.

ويؤدي حرق وقود الديزل والفحم إلى إصابة الأطفال بأمراض الرئة، وتتسبب حرائق الغابات في الإصابة بالربو وتقلص الحصاد، ما يترك الكثيرين دون طعام كاف.

ويحذر العلماء من أنه ما لم يجر خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 7.4 في المئة سنويا، على مدار الـ31 عاما القادمة، فإن صحة الجيل القادم حول العالم في خطر.

وجمع فريق البحث من زهاء 35 معهدا عالميا، الأدلة الموجودة حول الأضرار الصحية لتحذير العالم والإشارة إلى أن الأطفال هم الأكثر تأثرا بتغير المناخ.

وقال الدكتور نيك واتس، مدير مركز أبحاث “لانسات كوانتداون” للتغير المناخي، إن الأطفال معرضون بشكل خاص للمخاطر الصحية لتغير المناخ.

وأوضح أن أجسامهم وأجهزة المناعة لا تزال في مرحلة التطور لديهم، ما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض والملوثات البيئية، كما أن أضرار مرحلة الطفولة المبكرة مستمرة، مع عواقب صحية تدوم مدى الحياة.

واستطرد موضحا، “من دون اتخاذ إجراءات فورية في جميع البلدان لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة، ستتعرض المكاسب في الرفاهية والعمر المديد المتوقع للخطر، وسيأتي تغير المناخ لتحديد صحة جيل كامل”.

وتفيد الدراسات أيضا، أن آثار تغير المناخ السلبية قد وصل إلى الغذاء   فثاني أكسيد الكربون المتراكم في الأجواء بفعل الوقود الأحفوري يغير فعليا في تكوين الفواكه والخضراوات التي نتناولها، مما يقلل من قيمتها الغذائية التي يحتاجها الإنسان، حيث يعمل ثاني أكسيد الكربون الإضافي على تسريع عملية التمثيل الضوئي ويتسبب في نمو النباتات باستخدام كميات أكبر من السكر وأقل من الكالسيوم والبروتين والزنك والفيتامينات المهمة.

وبحسب باحثين في جامعة هارفرد، إذا لم نقلل انبعاثات الكربون في الوقت الحالي، فقد يؤدي هذا إلى مشكلة كبيرة بالنسبة لنظامنا الغذائي، كما يمكن أن يصاب ما يقارب 175 مليون شخص بنقص الزنك، كما يمكن أن يصبح 122 مليون شخص يعانون من نقص البروتين نتيجة لهذه التغييرات في فسيولوجيا النبات بحلول منتصف هذا القرن.

وتؤدي انبعاثات الكربون إلى إلحاق الضرر بالجسم البشري والعقل بطرق مختلفة، أبرزها مخاطر السكتات الدماغية الحرارية، كما أن درجات الحرارة الأكثر ارتفاعا ترتبط بزيادة تأثيرها بـ2 في المئة في مشكلات الصحة العقلية مثل التوتر والقلق وحتى اضطراب ما بعد الصدمة.

آن الأوان

هذا مصيرنا
هذا مصيرنا

خلص تقرير “توفير مستقبل لأطفال العالم” إلى سلسلة توصيات من أبرزها “وقف انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بأقصى سرعة ممكنة”، ووضع الأطفال والمراهقين “في صميم الجهود الرامية إلى تحقيق التنمية المستدامة”، و”سعي جميع القطاعات إلى وضع سياسات جديدة والاستثمار في صحة الطفل وحقوقه” و”دمج أصوات الأطفال في القرارات السياسية” و”تشديد اللوائح الوطنية تجاه التسويق التجاري الضارّ، مع دعمها ببروتوكول اختياري جديد لاتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل”.

ودعا ريتشارد هورتون، رئيس تحرير مجلات مجموعة “ذا لانسيت”،  الجميع من “رؤساء الدول إلى السلطات المحلية ومن مسؤولي الأمم المتحدة إلى الأطفال أنفسهم”، إلى بدء حقبة جديدة تُكرّس فيها الجهود نحو صحة الطفل والمراهق، قائلا، إن الأمر سيتطلب الشجاعة والالتزام لتحقيق النتائج المنشودة، واصفا ذلك “بالامتحان الأكبر الذي ينتظر جيلنا”.

وقالت هنريتا فور، المديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسيف، إن الوقت قد حان “لإعادة التفكير في صحة الطفل ووضع الأطفال ضمن أعلى أولويات البرامج الإنمائية الحكومية، مع وضع رفاههم فوق كل الاعتبارات”.

وتعمل منظمة اليونيسكو على برنامج مستدام من أجل التعليم في مجال التغير المناخي ومساعدة الناس على مواجهة التحديات المناخية بما يُتاح لهم من الوسائل.

 وتنص المادة 6 من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ على أنه ينبغي على الدول أن تعمل على تشجيع برامج التعليم والتوعية العامة بشأن تغير المناخ وتيسيرها.

وحذر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غبريسوس، من أن ما أظهره التقرير من فشل صناع القرار في العالم في معالجة القضايا المتعلقة بالأطفال والشباب اليوم “يجب أن يكون بمثابة نداء صحوة للدول من أجل الاستثمار في صحة الأطفال ونموهم، وضمان سماع أصواتهم، وحماية حقوقهم، وبناء مستقبل موات لهم”.

وحثت هيلين كلارك دول العالم على إصلاح نظمها المتعلقة بصحة الطفولة وبصحة المراهقين، “ليس لضمان الاعتناء بأطفالنا اليوم، فحسب بل أيضا لحماية العالم الذي سيرثونه غدا”.

20