التغييرات في سلك القضاء الجزائري تثير معضلة استقلاليته

يعتبر القضاء في الجزائر “النقطة السوداء” التي تحول دون تفعيل دولة القانون باعتباره جهازا من أجهزة النظام السياسي يطوّعه لخدمة مصالحه خاصة وأن بوتفليقة يجمع بين رئاسة الجمهورية (سلطة تنفيذية) ورئاسة المجلس الأعلى للقضاء (سلطة قضائية) وهو ما يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات.
السبت 2015/10/03
بوتفليقة يضرب استقلالية القضاة برئاسته للمجلس الأعلى للقضاء

الجزائر - قام الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة بتغييرات وصفت بـ”الهادئة” في سلك القضاء باعتباره رئيسا للمجلس الأعلى للقضاء، وهو ما أثار العديد من التساؤلات حول توقيتها وغاياتها خاصة وأنها مسّت وظائف سامية رغم تأكيدات الحكومة بأن التغييرات في سلك القضاء تأتي ضمن خطط الرئاسة بإحداث “ديناميكية” في هذا الجهاز.

وصدرت في العدد الأخير للجريدة الرسمية في الجزائر عدة مراسيم تخص تعيينات في مناصب هامة وإقالات مست الجهاز القضائي بشكل خاص استكمالا لموجة تغييرات قام بها بوتفليقة في هرم السلطة منذ أسابيع.

وتزامنت هذه التغييرات مع الإطاحة بالجنرال توفيق مدير الاستخبارات و”صانع القرار الأول” في الجزائر كما يصفه بعض المراقبين، وقد أثار هذا القرار غير المسبوق انتباه الساسة والمواطنين ومرّت معه الحركة الجزئية في سلك القضاء بمعيّة بوتفليقة مرور الكرام رغم أهميتها وحساسيتها وارتباطها باستقلالية المؤسسة القضائية.

وعموما يخضع القضاء في الجزائر للوصاية السياسية لأطراف نافذة وفاعلة دون حتى أن يكون لها منصب حكومي توظّفه لتمرير القوانين والأحكام بما يخدم مصالحها، وقد برز ذلك بوضوح في أهم قضايا الفساد التي عرفتها الجزائر والتي قام بها عبدالمؤمن خليفة وأطلق عليها “فضيحة القرن”، حيث قام القضاء بالتغطية على بعض الأسماء الضالعة في هذه القضية المتعلقة بنهب مئات الملايين من الدولارات.

وطرحت مسألة التغييرات المتوالية التي قام بها عبدالعزيز بوتفليقة معضلة استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، ويؤكد مراقبون هنا أنه لا يمكن الحديث عن قضاء مستقل في الجزائر باعتبار أن رئيس المجلس الأعلى للقضاء هو رئيس الجمهورية ونائب رئيس المجلس هو وزير العدل وأغلب أعضائه يُعينهم بوتفليقة.

ويعتبر المجلس الأعلى للقضاء هيئة إدارية قضائية متخصصة أنشئت بموجب دستور 1963 في إطار إصلاح منظومة العدالة من أجل ضمان استقلالية أكبر للقضاة، غير أن هذا الجهاز لا يتمتع بالاستقلالية المطلوبة باعتباره أحد أجهزة السلطة التنفيذية وهو ما يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلط.

وكثيرا ما كان المجلس الأعلى محل انتقادات عديدة من قبل حقوقيين ونقابيين وقضاة منهم فريدة أبركان رئيسة مجلس الدولة السابقة التي خلفتها فلة هنّي. وفلة هني المحسوبة على وزير العدل السابق الطيب بلعيز أحيلت مؤخرا على التقاعد ضمن موجة التغييرات التي طالت الجهاز القضائي.

بوتفليقة يجمع بين السلطة التنفيذية ممثلة في الرئاسة والسلطة القضائية باعتباره رئيسا للمجلس الأعلى للقضاء

كما أحيل على التقاعد محافظ الدولة بنفس الهيئة محمد بن ناص، وكذلك الأمين العام بوزارة العدل، مسعود بوفرشة بناء على اقتراح من وزير العدل الحالي الطيب لوح الذي أفادت بعض المصادر الإعلامية بأنه توسّط للعديد من الأسماء لتعيينها في مناصب سامية على رأس الهيآت القضائية في البلاد.

ويعد مجلس الدولة بمثابة هرم السلطة القضائية في الجزائر، وتعود له صلاحية الفصل في النزاعات داخل مؤسسات الدولة الأخرى وكذلك الأحزاب، كما أن الحكومة تستشيره حول الجانب القانوني في مشاريع القوانين التي تصدرها كما ينص القانون المنظم لعمل المجلس.

وأكدت تقارير إخبارية محلية أن فلة هنّي خلَفت وراءها بمجلس الدولة، ملفات وقضايا هامة بعضها تتعلق بها شخصيا باعتبارها محل شكوى من طرف القاضي النقابي سابقا عبدالله هبّول رفعها سنة 2008 إلى الرئيس بوتفليقة، يذكر فيها أن هنّي منعته من تسجيل استئناف في قضية إخفاء اجتهاد قضائي، متصّل بعقوبة صدرت ضده بمجلس التأديب للمجلس الأعلى للقضاء، وشكاها القاضي مرة أخرى في 2012 هي والطيب بلعيز، ومعهما 5 من قضاة مجلس الدولة اتهمهم بـ”التدليس والتزوير”.

وعن خلفية هذه التغييرات، يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر، توفيق بوقاعدة في تصريحات صحفية سابقة “يسعى الرئيس بوتفليقة من خلال سلسلة التغييرات التي قام بها في هرم السلطة إلى ضخّ دماء جديدة في مؤسسات حكمه، بتعيين كوادر جديدة منسجمة مع بعضها البعض بعيدا عن أي صراعات تقلقه وهو مريض”.

وتابع “كما أن أغلب المسؤولين الذين تم استبدالهم استنزفوا ولم يعد باستطاعتهم تقديم إضافة متميزة لولايته الرابعة، حيث وعد بعد إعلان ترشحه لانتخابات أبريل الماضي بإدخال إصلاحات جذرية في بنية النظام وقوانين الجمهورية خلالها”.

فيما يرى القيادي في حزب حركة “النهضة” الإسلامي المعارض، محمد حديبي، أن “هذه التعيينات والإقالات المعلن عنها لا تخضع لمعيار الكفاءة والمحاسبة والحصيلة في المنصب، وبالتالي فسياسات السلطة الحاكمة لن تتغير”. وأضاف قائلا “أعتقد أن الأمر له علاقة أكثر بالتهيئة لمرحلة ما بعد بوتفليقة في الحكم”.

ومضى بالقول “هذه التعيينات والإقالات تهدف إلى تأمين نقل سلس للسلطة، واستمرار اللوبيات (جماعات الضغط) الحاكمة الآن في الحكم بعد رحيله”.

وحسب حديبي، فإن “السؤال المطروح اليوم هو من يقوم بالتعيين والإقالة لأن الجميع يعرف أن الرئيس مريض ولا يقوى على إصدار قرارات بهذا الحجم وبالتالي فالأمر واضح، هناك لوبيات حاكمة تحضر لمرحلة ما بعد بوتفليقة بالتخلص ممن تريد وتعيين من تريد”، دون مزيد من التفاصيل حول تلك اللوبيات.

2