التغيير الديموغرافي شرط لبقاء الأسد

الخميس 2017/04/27

الرد الأسدي على هتاف الثورة “يلاّ ارحل يا بشار”، هو اقتلاع السكان والتغيير الديموغرافي. فسوريا لن تتسع بعد اليوم لنظام الأسد وللشعب السوري في آن واحد.

فلا غرابة إذن، أن ينتهج النظام الأسدي سياسة التهجير والاقتلاع لأبناء الأرض في كل منطقة ومدينة يتمكن من استعادتها. وهكذا يستمر هذا النظام وبدعم غير محدود من حلفائه وبدفع منهم، في اقتلاع المجتمعات السورية في محاولة لمحو الثورة السورية من خلال إنهاء وجود الشعب السوري نفسه بالشكل الذي عرفناه على مدى قرون.

سبق لرأس النظام أن اتهم الملايين من السوريين بالإرهاب. اتهام كان مقدمة لاقتلاع الملايين من السوريين الذين سلِموا من مجازره، إما هربا من البراميل المتفجرة والصواريخ المدمرة والأسلحة الكيمياوية، وإما بما سُمي “مصالحات” تنتهي بالاقتلاع الشامل للسكان. ليعود فيصرح أن “النسيج الاجتماعي أصبح أكثر تماسكا”. ما يعني أنه يقر بجرائمه في التهجير الذي أصاب أكثر من 13 مليون مواطن سوري بينهم عدة مئات الآلاف من الفلسطينيين السوريين.

يعرف النظام وحلفاؤه أنه لا يمكنهم السيطرة على أرض سبق لها أن تنسمت الحرية لبضع سنين إلا بإبادة أهلها أو اقتلاعهم. وقد حقق العديد من المجازر بعضا من هذا الهدف ليتم استكماله بما سمي المصالحات التي تعقب المجازر والحصار. هذا ما حصل في حمص القديمة وبابا عمرو، ثم في داريا وحلب وخان الشيح، ثم في وادي بردى وحي الوعر. والجدير ذكره أن بعضا من هذه المصالحات تم بـ”رعاية” إيرانية وبعضها بـ“رعاية” روسية، وكانت وسيلة هؤلاء الرعاة التهديد بالإبادة التامة للسكان إذا لم توافق لجان المناطق المحاصرة على تلك المصالحات.

لكن ما جرى مؤخرا من تبادل سكاني بين المدن الأربع، الزبداني ومضايا من جهة، وكفريا والفوعة من جهة أخرى، يؤكد نية النظام وحلفائه السير قدما في مشروع التغيير الديموغرافي الذي يجعل المجتمع السوري “أكثر تماسكا” بحسب بشار الأسد.

هذا الاتفاق الذي تم بين حزب الله وفصيلين لا يمثلان أبناء الزبداني ومضايا هما هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) وحركة أحرار الشام، وكلاهما امتداد للقاعدة، وبرعاية قطرية أفضت إلى إطلاق سراح مجموعة من الصيادين القطريين المخطوفين في العراق منذ 2015 لدى الميليشيات العراقية، لم يشارك فيه النظام ولكنه عبر بالفعل عن طبيعته الفاشية وعن تبعيته التامّة لداعميه بحيث يقررون ويعقدون الاتفاقات التي تمس الكيانات المجتمعية دون أي غضاضة.

وإذا كانت المفاوضات الرسمية التي تجري برعاية أممية في جنيف بين النظام والمعارضة ستستغرق وقتا طويلا إلى ما لا نهاية، وأن المصالحات التي تجري على الأرض هي التسوية العملية الوحيدة الممكنة بحسب بشار الأسد، فإن استعادة نظامه وحلفائه للمزيد من المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة يعني اقتلاع المزيد من السوريين من أرضهم. بينما تظهر المنظمة الدولية اعتراضا خجولا على كل ما يجري حين تعلن عدم مشاركتها في أي تسوية تشتمل على إجلاء السكان.

وبالترافق مع عمليات الاقتلاع السكاني، يتم تدمير وإحراق مراكز السجلات العقارية وإتلاف الملفات التي توثق الملكيات العقارية في المناطق التي خرجت يوما عن سيطرة النظام، ليسهل التلاعب بها وتغيير مضامينها عبر إقرار مرسوم يقضي باعتماد أتمتة السجل العقاري وإتاحة الفرصة للاعتراض على ملكية الحيازات العقارية، كما تقوم أجهزة النظام بالتذرع بقوانين الإصلاح الزراعي تارة، وباستخدام المادة الرابعة من قانون الإرهاب تارة أخرى لتجريد المعارضين من ممتلكاتهم من أراض وبيوت ومصادرتها، كما تمت عمليات استيلاء على منازل المهجرين من قبل عناصر الميليشيات الداعمة للنظام من إيرانيين وعراقيين ومن حزب الله لاستخدامها كمنازل لعائلاتهم أو كمواقع عسكرية من دون إذن قانوني، في حين يتم التلاعب من قبل بعض المحامين المحسوبين على النظام بوكالات مزورة بهدف بيع ممتلكات السوريين الذين أجبروا على مغادرة بيوتهم وتحولوا إلى لاجئين.

في نفس السياق أصدر برلمان النظام اقتراحا بمصادرة ممتلكات المعارضين، وقد صدرت عن محكمة القضاء المختص بدمشق مذكرة “مصادرة أملاك” العشرات من المعارضين في الخارج من عسكريين منشقين وقيادات سياسية وإعلاميين وفنانين.

في هذه القضية الخطيرة التي تتناقض مع سائر القوانين المحلية والدولية، تتحمل المعارضة السورية من هيئة عليا للتفاوض ومن ائتلاف وطني ومن شخصيات وقوى مسؤولية التحرك العاجل لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، لجهة استصدار قرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع يمنع بشكل كامل التصرف في ممتلكات السوريين الذين لهم الحق المطلق بالعودة إلى بيوتهم وأرضهم وممتلكاتهم ساعة تسمح الظروف.

التغيير الديموغرافي بات شرطا ضروريا لبقاء الأسد وللهيمنة الإيرانية وهيمنة حزب الله على سوريا، ولا يمكن للسوريين أن يستعيدوا حقوقهم في أرضهم إلا بإسقاط الأسد ونظامه، وإخراج القوى الحليفة التي تسعى إلى سرقة سوريا من أهلها.

كاتب لبناني

9