التغيير بدأ الآن

من خطط لكل المظاهرات ضد الاحتلال منذ 1945 وأحداث 8 ماي كان المثقفون، المتعلمون بكل أطيافهم: الرادكاليون وجمعية العلماء المسلمين والعلمانيون الليبراليون.
الأحد 2019/04/07
حتمية تاريخية أن نرى تغييرا جوهريا بعد سنوات قليلة من الآن

لم يكن المثقفون يوما خارج دائرة التنظير للثورة وللتغيير، بل وسطها وهم مشكلوها وواضعوها والمخططون لها. لا يقتصر هذا على الثورات الكبرى، بما فيها الثورة الفرنسية كأنموذج، بل كل الثورات وحركات التغيير، بمن فيهم المثقفون في الجزائر.

أهم مشكل واجهته فرنسا المحتلة للجزائر خلال 132 سنة كانت مشكلة المثقفين. من كان هؤلاء المثقفون؟ شيوخ الزوايا والعلماء الذين تمكنوا من شحن القيم الإسلامية وعناصر المقاومة والجهاد ضد المحتل الكافر الغاصب. بالتأكيد أن هذا حصل قبل الاحتلال الفرنسي أيضا تحت ظل الأتراك وما قبل.

إذا عدنا إلى الماضي القريب فقط نلاحظ أن من خطط لكل المظاهرات ضد الاحتلال منذ 1945 وأحداث 8 ماي كان المثقفون، المتعلمون بكل أطيافهم: الرادكاليون وجمعية العلماء المسلمين والعلمانيون الليبراليون. اندلاع الثورة التحريرية كان وراءها منظرون مثقفون أمثال عبان رمضان وغيره.

غير أن الثورة وحركة التغيير ليس المثقف هو من يقوم بها من أولها إلى آخرها: هم النخبة، القدوة، الموجهون، المخططون، المنظرون المؤطرون لها وليس حطبها. وهذا ما حدث فعلا أثناء الثورة. الحطب أكل قادة الحطب، واقدي الحطب. لهذا يقال إن الثورات تأكل أبناءها. حدث هذا عندما تصبح الأغلبية “غير المثقفة وغير العالمة” أو قليلة العلم أو ذات المستوى التعليمي المتدني، تشكل قوة بفعل قوة القوة، قوة السلاح، عندها يتحول المثقف إلى مستهدف فتضعف قوته العلمية التوجيهية التربوية التعليمة التنظيرية أمام فعل القوة وقوة الفعل. هكذا قتل عبان رمضان، وهكذا قتل المئات من الطلبة الذين التحقوا بالجبال بعد إضراب 1956 من طرف قيادات الثورة المسلحة المنحدرين من أصول ريفية أو مدينية بسيطة دون مستوى تعليمي على الإطلاق أو مستوى أوّلي. عندنا صارت الصورة بحجم فيل وبرأس دبوس كما يقال في أدبيات التاريخ الجزائري الحديث.

أسوق هذا التقديم لمعرفة سبب تهميش المثقف عندنا وعن مراكز القرار، وتحويله بالقوة التي كانت لها الغلبة بعد الاستقلال إلى مجرد تابع لمتبوع، سكرتير قيادات يكتب الخطب والتقارير، عوض أن يكون في مركز القرار وينظّر بعقلانية للدولة الوطنية. لا ننكر أنه كانت هناك عندنا نخب ثقافية وأنتلجنسيا سخّرت نفسها لقراءة التاريخ بعمق بحثا عن معرفة مستقبل بلا مطبات ولا زلازل، لكن في العموم، كان المثقف والمتعلم مجرد موظف براتب لا يستشار، بل يؤمر فيطيع ويفعل ما يطلب منه أن يفعله هو ليفعلوه.

كنت قد نشرت كتابا في 2016، وأنه علينا أن نترقب تغييرا في الجزائر عما قريب ينتهي في حدود سنة 2030. وقد بدأت سيرورة هذا التغيير تظهر للعيان من خلال الحراك الذي نشهده هذه الأيام، حراك لم يكن أحد يتوقعه لأن قراءة التاريخ تكون لأخذ العبر.

هذا التوقع لم يكن اعتباطيا، بل استقراء للتاريخ الجزائري منذ على الأقل 5 أجيال، أي من الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830. كما أكدنا على أنه كان من المفروض أن يكون هناك تغيير في 1990، على اعتبار أن الجيل الأول الذي قاد الثورة، بمنتجيها ومنظريها وفقهائها وعسكرييها والذي بدأ في 1950، قد انتهى سنة 1990، وأنه على الجزائر أن تتغير لأن هناك جيلا شابا أكثر علما وأكثر ثقافة وأكثر عمقا وتحليلا للواقع وأكثر ارتباطا بحب التغيير بحسب نظرية ابن خلدون. إنها عصبية جديدة تولد من رحم الأمة، لا ينبغي أن يوقف زحف التاريخ. المثقفون هم من عليهم أن ينيروا هذا الطريق حتى لا تقع هنا انفلاتات وتجاوزات. للأسف.

لم يحظر العقل الثقافي، بل غيّب علميا وسياسيا ودينيا وأيديولوجيا وبيولوجيا.. أول من بدأت تصفيتهم لم يكونوا بسطاء وعامة الناس: بدؤوا بالمثقفين والعلماء والصحفيين والفنانين، كما فعل بأشياعهم من قبل أثناء الثورة: أول من تمت التضحية بهم كانوا من المثقفين والعلماء والطلبة. المثقف هو ضحية دوما، لأنه هو أول من يبرز على رأس التغيير وأول من يضحى به لأجل هذا التغير.. لهذا نجد التاريخ العربي الإسلامي يزخر بهذه الأمثلة وعلاقة العلماء بالسلاطين وفتنة العلماء والفقهاء مع سلطاني السلطان.

الحراك الشعبي الذي يحدث حاليا في الجزائر، بالتأكيد، لولا المثقفين، ولولا المتعلمين لما كان
الحراك الشعبي الذي يحدث حاليا في الجزائر، بالتأكيد، لولا المثقفين، ولولا المتعلمين لما كان

مثقف المرحلة الراهنة هو ذلك المثقف المرتبط بثواب الأمة وبحسها الوطني القومي التاريخي، ثقافة وحضارة وتاريخا. والمثقفون، ينتمون إلى مختلف الشرائح والانتماءات العرقية القبلية والمشارب الأيديولوجية والدينية.

هناك تقاطعات كثيرة بين المثقفين كونهم منحدرين من ترسبات لتشكل بنيوي لعلاقات قرابية، جهوية إثنية، لم يتخلص منها الكثير إلى الآن. المثقف هو ذلك المتعلم المنتج المفكر العقلاني، المرتبط بأمته، الفاهم لوضع أمته إزاء محيطها الحضاري والتاريخي، وليس ذلك المتعلم الفرداني الذي يفكر لنفسه ومحيطه الصغير الأناني، وإلا فلا فائدة من علمه.

لهذا، هناك فرق بين المثقف والمتعلم والأنتلجنسيا. نحن نمتك متعلمين كثرا، وقليلا من المثقفين وقلة قلية من الأنتلجنسيا. فشرط المثقف هو الاستقلالية الفكرية، أن يكون مفكرا عقلانيا غير ذي هوى أو ميول تبعية للحاكم. نفس علاقة العالم الديني بالسلطان قديما. السلطان هو من يستمع إلى العالم وليس العكس.

السياسي الحاكم هو من يستمع إلى صوت العقل والحكمة عند المثقف. طبعا ليس أيّ مثقف.. وهذه هي المعضلة. ليس كل متعلم مثقف. إذا عدنا إلى أنطونيو غرامشي في نظريته حول الثقافة والمثقفين، العضويين وغير العضويين والتقليديين، نفهم معنى المثقف، تقريبا بالمفهوم ذاته عند سارتر عندما يقول “بالنسبة إلى كل مثقف، المهم ليس هو ما فعل بنا بل ما نفعله نحن بما يفعل بنا”.

من هنا، نأتي إلى قول السوسيولوجي عبدالقادر لقجع في ترجمتي لمقدمة كتاب باسكال بونيفاس “المثقفون المزيفون في فرنسا”، عندما يشير قائلا “ما يعرّف المثقف فعلا، هو موقفه النقدي في المجال الاجتماعي والسياسي وكفاءته على المستوى الفكري، وعلى مستوى استقلالية الممارسة وحريته إزاء المؤسسات القائمة. وإزاء كل الأيديولوجيات التي تحملها مختلف الأعمدة والتي تتقاطع وتتصالب اجتماعيا، وعلى جميع الأصعدة: سياسيا، مدنيا وجيليا.

بهذا المعنى، فالمثقف، من يكون بمقدوره تجاوز حدود الطبقات، الإثنيات والجنسيات، بهدف إنتاج فكر حر، نقدي وبدون تنازلات تجاه وضد الكل. وعليه، يقول عبدالقادر لعوج، هل يمكن القول بأن مثل هذا النوع من المثقفين موجود بالجزائر؟. الجواب صعب، مع ذلك، يمكن الادعاء بأن هذا النوعية ‘قليلة جدا كميتها’ قياسا بركام الشهادات و’الدكاترة’ المنضوين تحت منطق الاغتراب والاستلاب”.

الحراك الشعبي الذي يحدث حاليا في الجزائر، بالتأكيد، لولا المثقفين، ولولا المتعلمين لما كان. فكل حركة وحراك كان بفعل علم العلماء والمثقفين والمتعلمين. ولولا تطور المستوى التعليمي ما كان لشبابنا اليوم أن يكون مطّلعا على كل ما يجري ويحدث في العالم من خلال كافة قنوات الاتصال والتواصل الاجتماعي. الشاب اليوم متعلم ومتفقه في وسائط الاتصال ومبدع.

أنا أكتشف كل يوم عظمة هذا الجيل الذي كنا نخشى أن يكون قد أهمله الإهمال، وأنه لم يعد يفكر إلا في الهرب أو الانتحار بحرا أو حرقا، جراء سنوات الإغلاق والمنع والتصحر السياسي والثقافي، وإذا بالوعي يخرج من تحت الرماد كالعنقاء. هذه حتمية تاريخية لا مفر منها، وإذا لم ندرس التاريخ بكل نزاهة ونأخذ العبر منه ومن 132 سنة من الاستعمار الذي أخرج بنخبة مثقفة قلية جدا ووسائل مادية وسلاح بسيط للغاية، فكيف لا يمكن لأكثر من 5 ملايين طالب وتلميذ و3 أضعاف منه من متعلمين وذوي الشهادات العليا أن يوقفه حجر عثرة سياسية؟

دور المثقف والمفكر والعالم أن ينشر الوعي ويشعل الشمعة في ظلمة الدهاليز ويترك الأيام تمر، فالكل سيجد طريقه حتما إلى المستقبل.

السياسيون ورجال السلطة، ومنهم متعلمون ومثقفون بالتأكيد، على خلاف الأمس، هم الآخرون بحاجة إلى استقلالية العقل وتحكيم الموضوعية والعقل والحكمة وترك الأنانية الفردية المصلحية وتغليب مصلحة الأمة وتفعيل الضمير الحي الذي قد تميته المصالح المادية الزائلة. المثقف هو من يقرأ التاريخ ويفيد ويستفيد ويعرف أنه “لو دامت لغيرك لما وصلت إليك”، وأن “تلك الأيام نداولها بين الناس″.

أتوقع أن الجيل الثاني للجزائر المستقلة سينتهي في 2030. إنها حتمية تاريخية أن نرى تغييرا جوهريا بعد سنوات قليلة من الآن. وقد بدأ هذا “الآن” من الآن. وهذا ينطبق على كثير من دول العالم العربي، باعتبارها كلها ولدت كدول مستقلة في الخمسينات من القرن العشرين، ابتداء من مصر ثورة 23 يوليو 1952 وانتهاء ببقية الدول التي استقلت عن فرنسا وبريطانيا وإيطاليا والتي عرفت حراكا وتغيرات عنيفة بفعل عدم فهم سياسييها للحراك الاجتماعي والتراخي وعدم تهوية المجال السياسي بنقله إلى الجيل الجديد لضمان تغير سلس غير عنيف.

13