التغيير قادم في تونس، لكن أي اتجاه سيسلك

إذا ما استمر صعود القوى اليمينية وتماسك القوى التقليدية في نوايا التصويت قبل موعد الانتخابات، فإن الناخبين قد يشهدون في نهاية المطاف زواج متعة جديدا أكثر إثارة من التوافق المفاجئ بين حزبي النداء العلماني والنهضة الإسلامية بعد انتخابات 2014.
الأحد 2019/06/02
الخطابات الشعبوية تنجح في استمالة الناخب

كل الدلائل تشير إلى أن تونس بصدد طيّ حقبة سياسية امتدت نحو عقد منذ بداية الانتقال السياسي عام 2011، لكن لا أحد يعلم تحديدا أي طريق ستسلك الديمقراطية الناشئة بعد انتخابات 2019. استطلاعات الرأي الدورية، حتى مع احتساب الحدّ الأقصى من هامش الخطأ، تؤكد هذا المنحى وتعطي انطباعا قبل أشهر قليلة من الانتخابات بأن البلاد تتجه إلى منعرج آخر، يصعب معه تصوّر التوليفة القادمة في الحكم. الدستوريون الحاملون للواء النظام القديم ما فتئوا يكسبون أراضي جديدة كل يوم في نوايا التصويت مكنتهم من احتلال موقع ثابت بين المراكز الثلاثة الأولى في الانتخابات التشريعية.

ولا تختلف هذه التحولات التي تعيشها تونس عن اتجاهات الرأي في أوروبا الغارقة في اليمين الشعبوي. فكما وجد الدستوريون ضالتهم في هذا الخطاب اليميني القائم على الأزمة الاقتصادية وتدهور الأوضاع الاجتماعية وتصدع أحزاب الحكم والمعارضة فإن التيارات المعارضة المصنفة باليمين، أمثال الرئيس السابق المنصف المرزوقي وحلفائه، ما زالت تعمل على استقطاب الناخبين بمفردات التصدي “للثورة المضادة” وفساد كل من يحكم.

ملامح هذه التحولات بدأت تشق طريقها إلى أرض الواقع مع انحسار جزء كبير من الطبقة السياسية الحالية، التي أفرزتها انتخابات 2014 وتشتّت بعض الأحزاب أو اضمحلالها. عمليا دخل حزب حركة نداء تونس في حالة موت سريري قد يعجز معها الرئيس الباجي قائد السبسي نفسه على إعادة إحيائه بعد أن وصلت الخلافات الداخلية بين الأجنحة المنشقة إلى نقطة اللاعودة. وحتى محاولات التجميع التي يقودها قياديون سابقون منشقون من النداء بين الكتل والأحزاب المنسلخة عنه، قد تحتاج إلى المزيد من الوقت لاستعادة ثقة الناخبين.

بالنسبة للنهضة الإسلامية فقد تأكد لها مرة أخرى أن متلازمة الحكم لا تستقيم معها من دون أن تكون داخل حاضنة ائتلافية أوسع تجعلها بمنأى عن المحاسبة والسقوط المنفرد وتجنب مطبات ما حصل عام 2013 حينما أجبرها “الحوار الوطني” على ترك السلطة وتجنب حرب أهلية في البلاد.

والأهم من ذلك فإن أولويات النهضة في الربح والخسارة، وكما رسختها انتخابات 2011 و2014، لا تخرج عن دائرة البقاء في الحكم حتى لو اضطر الحزب إلى تحصيل حدّ أدنى من الحقائب لا يتوافق بالضرورة مع حجمها الحقيقي في البرلمان الذي تصدرته في دورتين متتاليتين. وما حصل لاحقا أن شريكها النداء الفائز انتهى به المطاف إلى حزب مفتت بينما ازداد نفوذ النهضة في مؤسسات الحكم حتى عادت لها السلطة فعليا.

لكنّ الثابت أن هناك تغييرا قادما في تونس، ليس واضحا أي اتجاه سيسلك بيد أنه يشي بتحولات متوقعة في تحالفات السلطة التي يفرضها نظام الاقتراع النسبي. ولا ترتبط هذه التوقعات بسقوط محتمل للنهضة، إذ أن القاعدة الأساسية للإسلاميين حتى الآن تجعل الحزب في مأمن من العزلة إلا إذا استعاد الليبراليون واليساريون وباقي أطياف المعارضة رشدهم وآمنوا بحتمية الاتحاد، وهذا الأمل لا يعدو أن يكون أضغاث أحلام في ظل ما تعيشه هذه الأحزاب اليوم وفي مقدمتها الجبهة الشعبية، من صراع زعامات وانقسامات داخلية مقيتة ومزمنة.

على العكس من ذلك يلوح رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد وحزبه الجديد تحيا تونس، كأكثر اللاعبين السياسيين ترشيحا لإدارة التحالفات المقبلة بحكم موقع حكومته الحالية في السلطة وسيطرتها على أجهزة الدولة وجانب كبير من الإعلام واتجاهات الرأي العام.

وفي كل الأحوال فإنه إذا ما استمر صعود القوى اليمينية وتماسك القوى التقليدية في نوايا التصويت قبل موعد الانتخابات، فإن الناخبين قد يشهدون في نهاية المطاف زواج متعة جديدا أكثر إثارة من التوافق المفاجئ بين حزبي النداء العلماني والنهضة الإسلامية بعد انتخابات 2014. لننتظر ونرى.

2