التفاتة رسمية متأخرة نحو النخبة الجزائرية المهمشة

مثل المقلب الذي تعرض له الروائي الجزائري رشيد بوجدرة في برنامج الكاميرا الخفية لقناة النهار الجزائرية مساسا من شخص الكاتب ومن ورائه بالعقلانية والعلمانيين الجزائريين، فيما يشبه محاكم التفتيش، وأثار هذا الاعتداء على الروائي موجة غضب كبيرة في صفوف المثقفين الجزائريين على اختلاف انتماءاتهم، حيث وقعوا بيانا رافضا لهذا الاعتداء كما نفذوا وقفة احتجاجية منددين بالتشويه المتعمد الذي انتهجته القناة للروائي والتدخل في حيز الحريات الشخصية. وقد أدى تعالي أصوات المثقفين إلى تفاعل من قبل السلطات الجزائرية التي عاضدت هذا الاحتجاج وهيأت لتكريم الأديب مع ثلة من المثقفين والمبدعين الآخرين، إضافة إلى إيقاف البرنامج من قبل مدير القناة.
الأربعاء 2017/06/07
رشيد بوجدرة يحرك الراكد

الجزائر- قرر الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة تكريم مجموعة من المثقفين والمؤلفين الجزائريين، وعلى رأسهم الروائي رشيد بوجدرة، بوسام الاستحقاق الوطني، عرفانا لهم بما قدموه للبلاد من جهود إبداعية ومؤلفات ثقافية وأدبية، أثرت الرصيد المحلي بعد سنوات من التشنج بين الطرفين.

التكريم الثاني

جاء قرار الرئيس الجزائري في أعقاب الضجة التي أثيرت حول الإهانة التي تعرض لها الروائي المثير للجدل رشيد بوجدرة، في برنامج تلفزيوني خرج من رسالته الفنية إلى محاكمة المعتقدات الدينية والفكرية، ما أثار موجة من الاستياء والاستهجان لدى النخبة المحلية بمختلف تياراتها.

اعتبر مراقبون أن التفاتة الرئيس بوتفليقة الفريدة من نوعها، قياسا بعلاقته المتشنجة بالنخبة المثقفة منذ اعتلائه قصر المرادية في 1999 وحتى الوجوه التي استقدمها للواجهة، هي إفراز للحسابات السياسية والتوازنات الداخلية للسلطة.

ولا يستبعد متابعون أن يكون الحضور اللافت لمستشاره الشخصي وشقيقه الأصغر سعيد بوتفليقة، للوقفة الاحتجاجية التي نفذها العشرات من الإعلاميين والكتاب والمؤلفين بوسط العاصمة، رسالة حملت التفاتة متأخرة من السلطة تجاه النخبة المهمشة طيلة السنوات الماضية.

وإذ عبر سعيد بوتفليقة للروائي رشيد بوجدرة عن تضامنه المطلق معه إزاء الإهانة التي لحقته من طرف برنامج الكاميرا الخفية لقناة النهار المقربة من السلطة، فإن الاستفهامات ما زالت تحوم حول موقف الرجل من القناة نفسها ومن رسالة التضليل المنتجة من طرفها، وهي المقربة جدا من السلطة ومن شخصه تحديدا.

وقال المستشار الشخصي للرئيس بوتفليقة “كمواطن أنا متضامن معك في ما لحقك من إهانة “، لكنه لم يفصح عن موقفه “كمستشار شخصي، وكحاكم فعلي لشؤون البلاد من وراء الستار”، بحسب اتهامات المعارضة، تجاه ما لحق الرجل من محاكمة وصفت بـ”الداعشية”، على قناعاته الدينية والفكرية.

وينتظر أن يشمل التكريم الذي أقره بوتفليقة اليوم الأربعاء بدار الأوبيرا “بوعلام بسايح” بالعاصمة، عددا ممن يمثلون النخبة المثقفة في البلاد، على غرار

الراحلين عبدالله الركيبي وعبدالله شريط، والروائية أحلام مستغانمي، فضلا عن رشيد بوجدرة.

ويكون بذلك التكريم الثاني من نوعه خلال الأسابيع الأخيرة، من طرف السلطات الرسمية لعدد من الوجوه والأسماء الفكرية والفنية، حيث سبق تكريم الفنانين لونيس آيت منقلات وآكلي يحياتن، رمزي الفن الأمازيغي، والموسيقار نوبلي فاضل، إلى جانب كل من محمد الصالح الصديق، وأبوالقاسم خمار وشخصيات أخرى بوسام “العشير” الوطني.

هذا التكريم هو الثاني من نوعه خلال الأسابيع الأخيرة، من طرف السلطات الرسمية لعدد من الأسماء الفكرية والفنية

المصالحة والاصطفاف

ذهب متابعون إلى اعتبار انفتاح السلطة على النخبة المثقفة بمثابة “المصالحة الوطنية”، التي كرسها الرئيس بوتفليقة في 1999 و2005 بمشروع سياسي استهدف وقف حمام الدم والاقتتال الداخلي، واستطاع التقريب بين أطراف الأزمة (المجتمع والإسلاميين المتطرفين).

وظلت علاقة الرجل بالنخبة المثقفة في البلاد فاترة، ما ساهم في هجرة الكثير من الأسماء، أو حتى الهجرة بعد العودة، كما هو الشأن للإعلامي والشاعر عمر أزراج، الذي قضى سنوات في الجزائر بعد هجرة دامت عقدين، لكن طموحه اصطدم بجدران الصمت التي أقامتها سلطة بوتفليقة للفصل بينه وبين النخبة المثقفة، وهو ما اضطره إلى الهجرة مجددا إلى بريطانيا.

وكانت الروائية أحلام مستغانمي قد عبرت في أكثر من مناسبة عن امتعاضها من الجحود والنكران اللذين تعامل بهما النخبة المثقفة من طرف السلطة، والإقصاء الممنهج ضدها من توظيف سمعتها العربية والعالمية في خدمة بلدها، حيث وجدت نفسها في أكثر من استحقاق خارج الاهتمام.

وألمحت الروائية أحلام مستغانمي، في أكثر من تصريح، إلى معارضتها للسلطة وللسياسات المنتهجة في مجالات البناء الثقافي والفني للبلاد، وعبرت عام 2014 عن معارضتها لترشح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لولاية رئاسية رابعة رغم إرادة المجتمع.

وإذ أعاد تضامن رجل الظل في السلطة الجزائرية سعيد بوتفليقة، مع الروائي رشيد بوجدرة، الحديث عن الخلفيات الفكرية والأيديولوجية اليسارية والعلمانية لفئة من المثقفين الجزائريين، فإن بريق السلطة والنفوذ شتت التيار وأعاد رسم الاصطفافات، بعد انتهاج نظام بوتفليقة لأسلوب التقارب مع الإسلاميين، وتهميش باقي التيارات التي كانت تشكل نبض المجتمع الجزائري منذ الاستقلال إلى غاية نهاية الثمانينات من القرن الماضي.

الروائية أحلام مستغانمي عبرت في أكثر من مناسبة عن امتعاضها من الجحود والنكران اللذين تعامل بهما النخبة المثقفة من طرف السلطة، والإقصاء الممنهج ضدها

النقابي اليساري والعلماني سعيد بوتفليقة الذي قاسم رفاق الماضي نضالات تيار أيديولوجي معين، تحول إلى أكثر من سلطة ومن رقيب على رفاقه، تحت تأثير بريق السلطة والطموحات السياسية، والتراكمات التي ترسبت طيلة السنوات الأخيرة، في حاجة إلى مراجعات ثورية وليس إلى مجرد وقفة تضامنية مع رجل حوله الإعلام البوتفليقي إلى ضحية يستحق الرحمة والشفقة من تحقيق وعقيدة داعشية سكنت الأذهان والعقول على غفلة من الجميع.

وإن غاب الإسلاميون عن الموعد تحت تأثير الحسابات الأيديولوجية، كون الأمر يتعلق بوجوه تدخل في خانة العداء السياسي والفكري مع السلطة، فإن نزول رجل الظل واستعادة أمجاد الحراك اليساري في يوم رمضاني بوسط العاصمة أعادا إلى مخيلتها الاصطفافات الكلاسيكية للمجتمع.

وهو ما توجس منه خيفة بعض رموز الإسلام السياسي، على غرار النائب السابق والقيادي في حركة النهضة محمد حديبي، الذي حذر مما أسماه “مسعى السلطة لإحياء الاصطفافات القديمة وبعث صراع مفتعل بين التيارين الإسلامي والعلماني، لتمرير مشاريع السلطة في المرحلة القادمة”.

15