التفاعلات الأسرية والمهنية في حياة المرأة العاملة

الأحد 2017/07/30

تعتقد النسوة أن كسرهن للأعراف الاجتماعية المتوارثة واكتساحهن للحياة العامة وخروجهن للعمل أمور تخفف عنهن الأعباء الأسرية التي لا تنتهي. ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فعملية التوفيق عسيرة جدا ومرهقة بين الأدوار التقليدية المتعلقة بالعناية بالأسرة ورعايتها وضرورة القيام بالمرافقة اليومية الفاعلة المتعلقة بالأطفال حديثي الولادة وفي فترات الطفولة والمراهقة، وبين الأدوار الاجتماعية في الحياة العامة وفي العمل.

إنتاجية المرأة في البيت وكذلك في العمل يجب أن تكون مرتفعة ولا يسمح لها بغير تحقيق النجاح. ضغوط نفسية ومادية وبدنية تعانيها المرأة العاملة باستمرار ما يجعلها تفقد خصوصيتها الذاتية المتعلقة بأنوثتها وعلاقاتها. المرأة كالشمعة تذوب رويدا رويدا ويذوي بريقها لتنير دروب الآخرين وتخرجهم من العتمة.

فترة الصيف فارقة في حياة كل الأسر مهما اختلفت وضعياتها الاجتماعية والمادية لأن هذه الفترة تُحدّد فيها مواعيد الاحتفالات والأفراح والاصطياف والسفر، بالتوازي مع العطل المدرسية وعطل الشغل من ناحية، والمناخ الصيفي الذي يساعد ويشجع على ارتياد الأماكن المفتوحة كقاعات الأفراح ومسارح الهواء الطلق والشواطئ الرملية الناعمة والمنتزهات وحتى أسطح المنازل في المدن المكتظة من ناحية ثانية.

كل الأسر تدّخر ما تيسر لتأمين مصاريف هذه الفترة التي يستغلها الناس لتكسير خط الرتابة في حياتهم. ولكن هل للمرأة العاملة نصيب من كل هذا؟ المنطق يفرض أن تشرف المرأة على مراحل هذه الفترة بكل تفاصيلها وحيثياتها الدقيقة بما أنها مسطّرة البرامج الأسرية والساهرة على تنفيذها في أفضل الظروف.

المرأة العاملة تجد نفسها مشتتة التركيز الذهني والجهد البدني بين مقتضيات أسرتها وعلاقاتها الاجتماعية وبين واجباتها المهنية وانتظارات مشغّليها. هذا الأمر يسلّط عليها ضغوطا كبيرة إضافية ما يجعلها مرهقة وقد تفشل في أداء مهمتيها العائلية والاجتماعية.

يوم المرأة العاملة عبارة عن سلسلة من المهام تتالى بشكل دائري منغلق تمتزج فيه البدايات بالنهايات. ينبلج نور الصباح الباكر فتتثاءب المرأة مرارا وتكرارا لتجهد نفسها على النهوض، فتحضر فطور الصباح دون توفّر متعة الجلوس الهانئ حول الطاولة مع أفراد أسرتها، فتأكل ما تيّسر واقفة أو ماشية وهي تستحث خطاها لكي لا يفوتها زمن الالتحاق بعملها، بعد أن تطمئن على توفّر الحدّ الأدنى لنجاح سيرورة أفراد أسرتها اليومية. قد يذهبون في غيابها للاصطياف على شاطئ البحر أو التنزه أو التبضع.

أما المسكينة فتغرق في ملفاتها وفي تفاصيل مهنتها، وهي مجبرة في كل هذا على إتقان ما تقوم به وعلى التحلي بروح المسؤولية وعلى توطيد العلاقات الشغلية وحسن إدارتها. وبعد كل ذلك لا يسمح لها بالخطأ إن فعلت فتنعت بـ”أنها مستهترة ومتواكلة وغير حريصة على عملها”.

تعود المرأة أدراجها منهكة القوى محاولة التماسك في زحمة المواصلات العامة. تصل إلى بيتها الذي تعمّه الفوضى بعد ترتيب، فانخرم النظام ولا بد من إعادة الترتيب. فتجهد نفسها لوضع كل شيء في مكانه، ثم تفكر مليا قبل أخذ القرار في ما يخص جدول الأكلات على العشاء، وهي مجبرة في أحيان كثيرة على تلبية الرغبات التي لا تنتهي لأفراد عائلتها.

ينتهي اليوم بسويعات قليلة من النوم المتقطع جراء ما ينبعث من مضخمات الصوت المعلنة عن سهرات المهرجانات والأعراس والاحتفال بالنجاحات المدرسية. الصيف هو موسم الحركة والاحتفال والمتعة، ولا متعة حقيقية فيه للمرأة العاملة. ففي نهاية الأسبوع عادة ما تبرمج العائلة خروجا للتمتع بالسباحة في أحد الشواطئ، فتستعد المرأة لهذا اليوم الموعود -في أغلب الأحيان وحيدة ودون مساعدة وإن وجدت فهي جدّ محتشمة- وتمنّي النفس بمتعة تنسيها تعب الأيام الخوالي ولكن العبء يزداد ثقلا وتجد نفسها مجبرة على القيام بأعمال منزلية إضافية. وعوض أن تكون نهاية الأسبوع ممتعة فإنها تغدو كئيبة ومحملة بأوزار تعجز عن تحملها.

الزوج المتفهّم يخفّف من وطأة الأشغال اليومية الروتينية على زوجته بطريقتين؛ إما بمساعدتها في إنجاز الأعمال المنزلية بما استطاع وبحسب توفر الوقت المناسب لذلك، وإما بالتخفيف من ثقل المتاعب التي تلاقيها زوجته بالتربيت على كتفيها وتشجيعها وملاطفتها، وبذلك فهو ينمّي لديها الأحاسيس والمشاعر الإيجابية ويبعد عنها شبح التوتر والاكتئاب.

الأطفال بدورهم لا بد أن يساهموا في تخفيف العبء على والدتهم العاملة وذلك بانخراطهم الفعلي في تحمّل المسؤولية الأسرية، فيتحولون بذلك من مجرد مستهلكين إلى فاعلين في حياة العائلة. إنهم قادرون على المحافظة أوّلا على مجهود الأم في النظافة والترتيب والتنظيم، ثم المساهمة في الأشغال المنزلية، والأهم من كل ذلك مراعاة النفسية المتعبة لوالدتهم. فكلما كان الأولاد إيجابيين كلما خففوا من حمل والدتهم الثقيل.

أعتقد أيضا أن لأرباب العمل والمسؤولين في الإدارات دورا مهما في جعل المرأة العاملة تؤدي واجباتها المهنية على الوجه الأكمل. لا شك أنها تحتاج أولا للإحاطة النفسية لتقوى شوكتها وتتحسن قدرتها على التحمل، لأن الكثير من العاملات ذوات النفسيات الهشة يتعرضن لانهيارات نفسية تختلف حدتها، فتتضرر حالاتهن الصحية وتتضرر العائلة كما تتضرر مردوديتهن المهنية.

ما على الجميع إذن إلا تحمل تبعات خروج المرأة للعمل والقبول بمتطلّبات العصرنة الحضارية التي فرضتها طبيعة الحياة الحديثة في ظلّ العولمة، وهو نظام يحتّم تواجد المرأة فيه ويجب أن تكون متماسكة وفاعلة. فليساهم محيط المرأة العاملة العائلي والمهني في جعلها تنعم بمتعة الصيف ومواسم الأفراح والاحتفالات كبقية أفراد الأسرة.

كاتب تونسي

21