التفاعل شرط الريادة والتميز

الأحد 2017/02/26

الفاعل في الأدب ليس كالمتقاعس عنه والمنزوي بصومعته مكتفياً بمنجزه الغابر، فالمواكبة والتواصل وتوضيح ما يلتبس على القرّاء والوسط الثقافي وإبداء الرأي بما يستجد من ظواهر، جميعها من متطلبات الأبوية إن جاز التعبير.

والذين كانوا أدباء شبابا فيما مضى كبروا الآن وصاروا أساتذة. إنَّها سنّة الحياة واستمرارية الزمن وتواصل المراحل العمرية. لكن ما الذي يتطلبه الإخلاص للأدب في معنى الأستاذية؟.

أذكر عندما كنا أدباء شبابا تقودنا شهوتنا للنشر والانتشار، كان بعض أساتذتنا من الأجيال التي سبقتنا يحنون علينا ويصوّبون لنا وينظّمون اندفاعاتنا ويشيرون بأصابعهم للتجارب المتميزة من بين تجاربنا، ولم يعاملوننا كأنداد لهم في جميع الأحوال، بل كتجارب تتطور وتكتمل لتنضمّ لرهط الإبداع الآخذ بالنمو والتطور.

أذكر بحبّ من بين هؤلاء القاص والروائي الكبير خضير عبدالأمير والكاتب الراحل عبدالستار ناصر اللذين أشرفا على مجلة الطليعة الأدبية لفترة طويلة نسبياً حتّى تحولت آنذاك إلى حاضنة دافئة لإنضاج التجارب الجديدة وتفريخها، كما أذكر من بين هؤلاء الأساتذة أيضاً الدكتور محسن الموسوي وحاتم الصكر وباسم عبدالحميد حمودي وفؤاد التكرلي والكبير جبرا إبراهيم جبرا وعبدالرحمن مجيد الربيعي وجاسم عاصي وباقر جاسم محمد والراحلين كاظم الأحمدي ومحمود جنداري.

إن تقوقع الكاتب “الكبير” في صومعته لهو نوع من التعالي أو العزلة غير المبرّرة، المتضرر منها بالدرجة الأولى هو نفسه، فمنجزه السابق، مهما بلغ، لن يكون شفيعاً له في حال انعزاله وعدم مواكبته الحياة الثقافية والسياسية والإدلاء بدلوه في ما يستجد على الساحة الثقافية من تجارب ورؤى جديدة أو مختلفة.كما أن عدم الإدلاء بدلوه لن يثني أصحاب تلك التجارب عن المضي في مشاريعهم الإبداعية قدماً.

إن الأبوية في الأدب مثلاً أو الريادة أو الألوهية، سمّها ما شئت، ما عادت تتناسب ونمط الحياة المعاصرة، ذلك لأن انتشار وسائل التواصل السريعة قضت على عذرية البريد والمجلات الأدبية وتوزيعها، وما كان صالحاً قبل عقد أو عقدين من الزمان لم يعد صالحاً في زماننا هذا، وإذا كان البعض عازفاً عن المشاركة في الحياة الأدبية والثقافية بفاعلية لأسباب تتعلق بوضعه النفسي أو زهده، فإن هذا لا يمنعه من إبداء رأيه عبر مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليق البسيط أو العابر، من دون الاضطرار لكتابة المقالات الطويلة أو المتابعات النقدية.

لكن أن يكون المرء “إلهاً” أدبياً أو حجة أو رئيساً، من دون أن يقدّم ما يبرر هذا التوصيف، لهو أمر محيّر وغامض في الحقيقة، لا يمكن أن يكون دافعه سوى الغيرة أو حسد التلامذة أو العجز عن مواكبة الحالة الجديدة للمنجز الأدبي.

إن المسؤولية الأدبية تتطلب منا دوام المتابعة ورصد التجارب الجديدة والتنويه والاحتفاء بها إن كانت تستحق الاحتفاء، أو التصويب النقدي إن كانت تتطلب ذلك.

فلقد أنجز البعض منا في ظرف سنة واحدة الكثير على صعيد تقديم أدب الشباب ودعمه واكتشاف مواهبه، ولعلّي أشير هنا من دون تردّد إلى تجربة جائزة بغداد للرواية التي أسفرت عن ترسيخ بعض الأسماء الجديدة، ومنها الروائي الشاب علي غدير الذي توجت روايته “سفستيكا” بجائزة بغداد للرواية وتمكنت من الوصول إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، وغيره الكثير من الروائيين الجدد.

وفي المحصلة فإن التواصل والتفاعل مع حالة الأدب الإنسانية ككلّ ومع ما يستجد من تجارب جديدة والاحتفاء بها وتنبيه جمهور القراء لها من أولى صفات المبدع الحقيقي الواثق من فنّه ومنجزه ومكانته الحقيقة.

كاتب من العراق

13