التفجير من الداخل: حروب الجيل الخامس أكثر تأثيرا وأقل تكلفة

الحرب في الوقت الراهن ليست مجرد حرب تقليدية واضحة المعالم والأدوات، وإنما باتت خليطا من توظيف كافة الأدوات المتاحة.
السبت 2019/06/08
الحروب القادمة سلمية لكن أكثر تدميرا

يشهد العالم تراجعا في عدد الحروب التقليدية، بشكلها العسكري المدمر، إلا أن ذلك لا يعني أن السلام سيحل وستنعم البشرية بالأمان، بل بالعكس، حيث يشهد العالم تأثر الحروب بالذكاء الاصطناعي ودخولها عصر الثورة الرقمية التي توفر أسلحة أقل تكلفة بشرية ومادية لكنها أكثر تدميرا وفعالية في ضرب الهدف.

القاهرة – لم تعد الحرب في الوقت الراهن مجرد حرب تقليدية واضحة المعالم والأدوات، وإنما باتت خليطا من توظيف كافة الأدوات المتاحة، التقليدية وغير التقليدية، بحيث أضحى الملمح والهدف الجوهري هو “التفجير من الداخل” باعتباره الوسيلة الأمثل لهزيمة الخصوم، دون تحمل تكلفة كبيرة، على نحو يؤكد نظرية صن تزو، الجنرال الصيني والخبير العسكري، في كتابه “فن الحرب” القائلة “أن تخضع العدو دون قتال هو ذروة المهارة”.

واليوم، يعيش العالم حروبا وصراعات تطبق هذه النظرية بحذافرها، وما التصعيد بين الصين والولايات المتحدة إلا صورة من صور هذه الحروب التي تشمل أيضا تمويل الميليشيات المسلحة والتدخل عبر القوى الناعمة سواء الطائفية أو الثقافية والمالية والأيديولوجية، وصولا إلى الحروب السيبرانية ودخول الذكاء الاصطناعي الساحة.

شادي عبدالوهاب: الدول باتت توظف كل الأدوات والوسائل المتاحة لكسب الحروب
شادي عبدالوهاب: الدول باتت توظف كل الأدوات والوسائل المتاحة لكسب الحروب

يطلق على الحرب بين الصين والولايات المتحدة اسم حرب الجيل الخامس، في إشارة إلى أحدث التقنيات في مجال الاتصالات التي تقود ثورتها بكين، وتخشى واشنطن أن تسحب منها بساط التفوق في هذا المجال. لكن، عمم الباحثون هذا المصطلح للدلالة على الحروب الراهنة، والتي تختلف ملامحها عن الحروب التقليدية المباشرة بين طرف وآخر مقابل.

تعكس حروب الجيل الخامس، وفق الباحث شادي عبدالوهاب منصور، رئيس التحرير التنفيذي لدورية اتجاهات الأحداث، تراجع القدرة على التمييز بين ثنائية الحرب والسلام، أو الحروب التقليدية وغير التقليدية، أو الحروب النظامية وغير النظامية، أو الدول والفواعل المسلحة من دون الدول، إذ باتت الدول توظف كل الأدوات والوسائل المتاحة لكسب الحروب ضد خصومها بأقل تكلفة ممكنة.

ويشير عبدالوهاب، في كتابه الصادر حديثا عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بالتعاون مع دار العربي للنشر والتوزيع بالقاهرة، بعنوان “حروب الجيل الخامس: أساليب التفجير من الداخل على الساحة الدولية”، إلى أن الدول أصبحت تتحاشى شن الحرب المباشرة، وتفضل استخدام كافة الوسائل الإكراهية دون إعلان الحرب، مثل الحروب الاقتصادية والسيبرانية والمعلوماتية والبيئية، وحروب الفضاء، علاوة على توظيف “الأسلحة ذاتية التشغيل”.

معركة دون قواعد

أصبحت الدول تتحاشى شن الحرب المباشرة، وتفضل استخدام طرق بديلة، مثل الحروب الاقتصادية والسيبرانية والمعلوماتية والبيئية؛ وهو ما عبر عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقوله إنها “معركة دون قواعد حيث يحارب الجميع بعضهم البعض”. ويذكر حديث بوتين بالحرب الأخرى الدائرة بين روسيا والولايات المتحدة ودول أوروبية، على غرار بريطانيا التي توترت علاقتها بالكرملين إثر حادثة تسميم العميل السابق سيرجي سكريبال في إنكلترا. كما تتهم واشنطن وعواصم أوروبية موسكو بشن حرب إلكترونية كبرى، من بين صورها الحديث عن التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية التي أفضت إلى فوز دونالد ترامب بالرئاسة.

ويتوقع شادي عبدالوهاب أن تتطور هذه الحروب بشكل أكبر، مشيرا إلى أن الحروب السيبرانية، وحروب الذكاء الاصطناعي ستكون أقل تكلفة مادية وبشرية مقارنة بالحروب التقليدية، وأكثر فعالية وتأثيرا.

ويؤكد أن الدولة المستهدفة لا تدرك في بعض الأحيان أنها في حالة حرب، فإحدى السمات الأساسية لحروب الجيل الخامس هي تلاشي الحدود بين ما يُعد أرضا للمعركة وما ليس أرضا لها، وأضحت معامل الأبحاث والبورصات ووسائل الإعلام والمراكز الدينية والمؤسسات الاقتصادية والفضاء الإلكتروني وغيرها، بمنزلة ساحات للمعارك وإدارة الصراعات بين الدول.

وينزّل في هذا السياق ما تشهده المنطقة العربية من اختراقات وتدخلات وحروب أهلية، معتبرا أن “الثورات” العربية في عام 2011 هي في جانب منها انعكاس لحروب الجيل الخامس، فقد شهدت دول، كانت تتمتع باستقرار نسبي، انهيارا داخليا بدا وكأنه مفاجئا، وكان القاسم المشترك في أغلب الحالات، اتجاه المجتمعات للنظر إلى حكوماتها بأنها مصدر التهديد، وأن تسعى جاهدة إلى إسقاطها، بصورة تفاوتت بين الإخفاق -كما في الحالة السورية – والنجاح التام – كما في الحالة الليبية. وفي كلا الحالتين كانت النتيجة واحدة، وهي استمرار الاضطراب الداخلي، خاصة في الحالة الليبية، والتي انقسمت بين حكومتين في الشرق والغرب، بالإضافة إلى عدد لانهائي من الميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية وجماعات الجريمة المنظمة، التي بسطت سيطرتها بحكم الأمر الواقع على مساحات من أراضي الدولة.

تراجع الحروب التقليدية ولكن...

حرب دون سلاح لكنها مدمرة
حرب دون سلاح لكنها مدمرة

خلص شادي عبدالوهاب إلى أن هناك عددا من الاتجاهات المستقبلية التي يتوقع أن تشهدها الحروب، ومن أبرزها:

● استمرار تراجع الحروب التقليدية بين الدول: تتراجع احتمالية نشوب حروب مباشرة بين الدول، خاصة القوى الكبرى في النظام الدولي، أو القوى الإقليمية الرئيسية، نظرا لتكلفتها المادية المرتفعة، ووجود بدائل أخرى أقل تكلفة مثل الاعتماد على الوكلاء المسلحين أو توظيف المجالات الجديدة من الحروب والتي أقل كلفة، وأكثر صعوبة في تحديد هوية القائمين عليها، كما في الحروب السيبرانية، وحروب الذكاء الاصطناعي.

● تنامي قدرات الفواعل المسلحة من دون الدول: باتت الميليشيات المسلحة في العديد من مناطق الصراعات أشبه بجيوش، سواء من حيث بنيتها التنظيمية أو في كيفية وضع خططها، أو حتى على مستوى الأسلحة المستخدمة، مثل الصواريخ الباليستية والأسلحة ذاتية التشغيل.

● تصاعد الصراع بين الدول في بعض مجالات الحروب: تمثل الحروب السيبرانية والمعلوماتية والأسلحة ذاتية التشغيل، أبرز المجالات التي تشهد توظيفا واسعا في التفاعلات العدائية بين الدول، خاصة القوى الكبرى والإقليمية، وتعتبر الحروب السيبرانية تحديدا أكثر هذه الساحات اشتعلا وأكثرها كارثية، خاصة مع نجاح الدول في اختراق البنية التحتية الحيوية للدول، مثل محطات الكهرباء والمحطات النووية فضلا عن إمكانية قيام عدد محدود من الأفراد بشجن هجمات سيبرانية تقارب في تعقيدها تلك التي تشنها الدولة.

● استهداف المجتمعات: يتوقع أن تستمر الجهود الرامية إلى محاولة اختراق المجتمعات، وإثارة الاحتقان الطائفي والإثني، وتساعد على ذلك المحاولات الدؤوبة لاختراق الدولة الوطنية تحت عناوين أيديولوجية ودينية وغيرها.

ونظرا لتصاعد التحديات تزداد التكلفة التي تتكبدها الدول لتأمين نفسها وحماية مواطنيها، خاصة مواجهة التحالفات المعادية وتعدد أطرافها وتوظيفها لأشكال متعددة من الحروب، فضلا عن بروز مجالات جديدة من الحروب التي تتطلب من الدول جهودا إضافية لمواجهتها، مثل الحروب السيبرانية وحروب الفضاء والأسلحة ذاتية التشغيل وغيرها.

6