التفسير الخاطئ لرسم الكاريكاتير يكمم حرية التعبير في فلسطين

الخميس 2015/02/05
أصبحت رسوم الكاريكاتير سيفا ذا حدين بسبب تعدد وجهات النظر حول رؤيتها

رام الله (الأراضي الفلسطينية) – اختلاف التفسير أوقع رسام الكاريكاتير الفلسطيني والصحيفة التي نشرت رسمه المدافع عن الإسلام ورسالة المحبة والتسامح، أمام مساءلات وانتقادات حادة اعتبرته مسا بالمقدسات وتشخيصا للنبي محمد وهو ما يحرمه الإسلام.

أثار رسم كاريكاتوري نشرته صحيفة “الحياة الجديدة” التابعة للسلطة الفلسطينية ويجسد شخصية الرسول، جدلاً واسعاً وانتقادات حادة في المجتمع الفلسطيني، فيما أمر رئيس السلطة محمود عباس بإجراء تحقيق فوري في القضية.

واشتعلت خلال اليومين الماضيين وسائط التواصل الاجتماعي، بعد أن نشرت الصحيفة الأحد رسما لرسام الكاريكاتير محمد سباعنة يظهر فيه رجلا بزي عربي تقليدي واقفا على الكرة الأرضية وينثر بذور النور على العالم. لكن ما أثار الجدل هو وجود وهج أبيض خلف الرجل مع كتابة “سيدنا محمد” باللون الأبيض و”بروفيت محمد” باللون الأسود.

وطالب عدد من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” الصحيفة بالاعتذار ومحاسبة رسام الكاريكاتير ورئيس تحرير الصحيفة. فيما قال عدد آخر من النشطاء أن الصحيفة لم تسئ للنبي محمد وإنما الاعتراض على تشخيصه ووضعه بصورة معينة بوجه مكشوف وهو ما حرمه شيوخ الإسلام.

فيما رأى البعض الآخر أنها سقطة غير مقصودة للرسام الملتزم سباعنة، وأن هدفه كان الدفاع عن الإسلام كرسالة محبة وتسامح في جوهره وليس كما يظهر في أساليب البعض ممن تسببوا في تشويهه.

وذهبت بعض المواقع الإلكترونية لعنونة الخبر بطريقتها الخاصة، من قبيل “مسيء للإسلام ينشر رسوما على صحيفة فلسطينية”، وهو ما أثار استنكارا واسعا من بعض الصحفيين الذين قالوا أن هناك بعض المستغلين للقضية هدفوا إلى الإساءة إلى الصحيفة والرسام عبر استغلال الخبر بطريقة مشينة. وقالت مصادر في الصحيفة طلبت عدم الكشف عن اسمها أن دار الافتاء اعترضت على الرسم في اليوم الثاني لنشره لأنها اعتبرت أنه يجسد النبي محمد، وهو ما يخالف الشريعة الإسلامية.

سباعنة قصد من الرسم إظهار بذور التسامح والمحبة التي ينشرها الإسلام، ممثلة بالرجل الذي يقف على الكرة الأرضية

ونتيجة لهذا الجدل، أمر عباس في ساعة متأخرة من ليلة الاثنين الثلاثاء بإجراء تحقيق فوري “في نشر رسم كاريكاتيري عن النبي محمد”، مؤكدا على “ضرورة اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتسبب بهذا الخطأ الفادح”.

ونقلت الوكالة الرسمية عن عباس تأكيده “ضرورة اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتسبب بهذا الخطأ الفادح، مشددا على احترام الرموز الدينية المقدسة وفي مقدمتها أشخاص الأنبياء”.

من جهته قرر مجلس إدارة الصحيفة إيقاف المسؤولين عن نشر الكاريكاتير، وذلك لحين استكمال إجراءات التحقيق الذي أمر به رئيس السلطة.

ونفت الصحيفة تحت عبارة “اعتذار وتوضيح” على صفحتها الأولى “بشكل قاطع أي شبهة أو تفسير تحاول التقريب بين الرسم المنشور وتجسيد صور الأنبياء والرسل”. مضيفة “تم تشكيل لجنة تحقيق في الرسم المنشور الذي وقع في شبهة التفسير علما أن مقاصده لحظة النشر كانت تهدف إلى الدفاع عن الأديان ورسالة المحبة والإسلام”.

وقالت “إلى حين استكمال الإجراءات الخاصة بالتحقيق قرر مجلس إدارة الحياة الجديدة إيقاف المسؤولين عن هذا العمل مؤقتا عن ممارسة عملهم”.

بينما صرح محررون رئيسيون في إدارة الصحيفة رفضوا ذكر أسمائهم أن “سباعنة قصد من الرسم إظهار بذور التسامح والمحبة التي ينشرها الإسلام، ممثلة بالرجل الذي يقف على الكرة الأرضية، وأن الشعاع من خلفه هو ما ورثه المسلمون عن سيدنا محمد”.

ورفض رسام الكاريكاتير محمد سباعنة الحديث للصحافة عن القضية، مكتفيا بالقول “تم فهم الرسم بطريقة خاطئة”، وقال أنه ينتظر نتائج التحقيق.

ولكنه كتب على صفحته الخاصة “بلادي وإن جارت علي عزيزة وأهلي وأن ضنوا علي كرام”. وأضاف “وجدت مؤخرا أن من واجبي أن أدافع عن ديني ورسالة نبينا العظيم محمد عليه الصلاة والسلام، وهذا ما حاولت إيصاله في الرسمة الأخيرة التي أثارت الضجة الحاصلة الآن”.

محمد سباعنة: "الرسم لا يحمل تفاصيل إنما رمز الإنسان بهالة النور الذي حمله سيدنا محمد"

وأضاف “الرسم لا يشير لسيدنا محمد أو إلى تصويره ولا يحمل تفاصيل إنما رمز الإنسان بهالة النور الذي حمله سيدنا محمد”.

وقال “أنا أرفض ما يتناقله البعض أن الرسم فيه تمثيل وأشير إلى أن الرسم يقوم بدور تمثيل رسالة محمد عليه الصلاة، والإشارة بالنص للتأكيد على دور سيدنا محمد وعلى موضوع الكاريكاتير كتوضيح للجمهور الغربي وردا على مثقفيه. أما الشخص فهو تمثيل للمسلم وليس لسيدنا محمد.. أما النور المحيط فهو نور سيدنا محمد والخير المنثور هو الإسلام”.

والجدل الواسع على هذا الموضوع، يأتي في الوقت الذي لاتزال فيه تداعيات حادثة شارلي إيبدو تتواصل في أنحاء العالم، بين التضامن مع الصحيفة الفرنسية الساخرة التي تعرضت إلى هجوم إرهابي، وبين منددين بالصحيفة لنشرها رسوما مسيئة للأديان وبشكل خاص للإسلام والنبي محمد.

يذكر أن الرسام محمد سباعنة كان واحدا من رسامي الكاريكاتير الفلسطينيين الذين عبروا عن تضامنهم التام مع القتلى الـ12للهجوم في الهجوم على مقر شارلي إيبدو، ونشروا رسوما تدافع عن حرية الصحافة وتدين العنف.

لكن بعد نشر الصحيفة على الصفحة الأولى من عددها الأخير رسما يمثل النبي، أجمع غالبية الرسامين على أن السخرية المجانية من الإسلام أو أي ديانة أخرى يشكل تماديا. وصرح سباعنة إثر الاعتداء أن “ما حدث في باريس ولا سيما أنه في بلد يتمتع بحرية حقيقية، شكل صدمة، وأثر فينا بشكل خاص كرسامي كاريكاتور” مذكرا بأن رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهير ناجي العلي “اغتيل بسبب رسومه”.

ورسم سباعنة مسلحا يطلق قذيفة على مكاتب الصحيفة الفرنسية ترتد لتصيب مسجدا خلف المهاجم.

واعتبر الرسام أن السخرية من الأديان مكون رئيسي في الصحيفة الأسبوعية الساخرة، وهو امتياز مخصص للدول التي لم تشهد أزمات سياسية على غرار تلك التي تهز العالم العربي.

وشدد سباعنة الذي حاول تجنب موضوع المعتقدات “الحساس” على “الفرق بين الانتقاد البناء والانتقاد المجاني”.

18