التفكك الاجتماعي والإحباط يوقعان شباب تونس في براثن المخدرات

الجمعة 2014/10/17
مادة القنب الهندي التي تسمى في تونس "الزطلة" هي أكثر المواد المخدرة استهلاكا

تونس- لا يمكن الجزم بأن إدمان المخدرات ظاهرة دخيلة على المجتمع التونسي، إلا أنه وبعد ثورة يناير 2011 كشفت العديد من المؤشرات أن هذه الظاهرة ما فتئت تتفاقم في صفوف الشباب إلى حد الإنذار بالخطر.

وأصدرت وحدة علوم الإجرام بمركز الدراسات القضائية الحكومي في تونس دراسة مفزعة، عن تفشي ظاهرة تعاطي المخدرات، حيث كشفت أن نسبة الإدمان لدى الشباب بصفة عامة ارتفعت بـ 70 بالمئة منذ ثورة يناير 2011، وبينت الدراسة أن “نسبة المتعاطين للمخدرات بمختلف أنواعها لدى المراهقين والشباب قدرت بـ57 بالمئة بين الفئات العمرية المتراوحة بين 13 و18 سنة، بينما تقل نسبة التعاطي تدريجيا بين الفئات الأكبر سنا حيث قدرت بـ 36.2 بالمئة بين الفئة العمرية المتراوحة بين 18 و25 سنة لتنخفض إلى 4.7 بالمئة بين الفئة ما بين سن 25 و35 سنة، في حين لا تتجاوز نسبة المتعاطين بين الفئة المتراوحة بين 35 و50 سنة نسبة 2 بالمئة.

وأشارت الدراسة إلى أن نسبة الفتيات المدمنات على استهلاك المخدرات بمختلف أنواعها ارتفعت خلال السنوات الثلاث الماضية لتصل إلى 30 بالمئة مقابل 12 بالمئة قبل ثورة يناير. وترتفع هذه النسبة في صفوف الطالبات في المعاهد الثانوية والجامعات لتبلغ 40 بالمئة حاليا مقابل 10 بالمئة فقط قبل الثورة.

وكشفت الدراسة أن مادة القنب الهندي والتي تسمى في تونس “الزطلة” هي “أكثر المواد المخدرة استهلاكا بنسبة 92 بالمئة تليها المواد المستنشقة بنسبة 23.3 بالمئة ثم الكوكايين بنسبة 16.7 بالمئة والهروين بنسبة 16 بالمئة”.

كما استنتجت الدراسة أن نسبة المدمنات من الفتيات ترتفع في الأحياء الشعبية لتصل إلى 60 بالمئة من مجموع المدمنات، بينما تنخفض إلى حدود 20 بالمئة لدى الفئات الميسورة، وهو ما يؤكد أن الفقر والشعور بالحرمان يمثلان أرضا خصبة لانتشار ظاهرة المخدرات حتى أنها طالت 12 بالمئة لدى أطفال لا تتجاوز أعمارهم 10 سنوات.

نسبة الفتيات المدمنات على المخدرات بمختلف أنواعها ارتفعت خلال السنوات الثلاث الماضية لتصل إلى 30 بالمئة مقابل 12 بالمئة قبل ثورة يناير

ووضحت أن المخدرات المستهلكة تختلف حسب الوضع الاجتماعي، حيث تنتشر مادة “الزطلة” في الأحياء الشعبية مثل حي التضامن الذي يعد أكثر من 500 ألف ساكن وتبلغ نسبة الفقر فيه 60 بالمئة، فيما تصل البطالة إلى أكثر من 70 بالمئة، وهي أرقام تتكتم عنها السلطات.

أما في الأحياء الراقية فينتشر استهلاك الكوكايين والهيروين مثل حي النصر الواقع شمال تونس العاصمة الذي تقطنه الفئات الميسورة.

وطالب رئيس الجمعية التونسية للوقاية من تعاطي المخدرات عبدالمجيد الزحاف السلطات بـ”وضع خطة شاملة” وعدم الاكتفاء بالإجراءات العقابية، مشددا على أن “العقاب بالسجن” لن يحل المشكلة.

وأوضح أستاذ العلوم الاجتماعية بالجامعة التونسية لطفي منيف أن “المجتمع التونسي يشهد منذ ثلاث سنوات تحولات كبرى ومتسارعة أدت إلى إرباك شخصية التونسي وخاصة المراهقين والفتيات”.

وقال لطفي منيف: “إن الفئات الهشة هي الأكثر عرضة للإدمان” مشددا على أن “الإحباط الذي تعيشه الفتاة التونسية نتيجة انسداد الآفاق وعدم وضوح المستقبل أمامها خاصة في ما يتعلق بالتشغيل يعد الدافع القوي إلى الإدمان”.

ومن جانبها قالت المنسقة الإقليمية للأمم المتحدة في تونس هبة خولي في وقت سابق إن “الراشدين الصغار والمراهقين يتعرضون بصورة متزايدة لتأثيرات خطرة ناتجة عن تغييرات اجتماعية واقتصادية عميقة جدا تنتج عنها ضرورة مواجهة المشكلة”.

وأكد الخبراء أن المخدرات أسلوب عالي الفعالية في تدمير المجتمع ومهاجمة الصحة العامة والأسرية، والازدهار الاجتماعي والاقتصادي. وأكدت الدراسات الميدانية أنّ أعداد مُروجي المخدرات بمختلف أنواعها، نجحوا في التسلّل إلى الجامعات والمعاهد العليا، بل تعدى ذلك إلى إقامة شبكات لترويجها في بعض المدارس الابتدائية والثانوية.

المخدرات المستهلكة تختلف حسب الوضع الاجتماعي، حيث تنتشر مادة "الزطلة" في الأحياء الشعبية مثل حي التضامن الذي يعد حوالي 500 ألف ساكن

ولمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة ووضع حد لها دعا رئيس جمعية “السجين 52” التونسية غازي مرابط، الحكومة إلى فتح حوار وطني من أجل تغليظ العقوبات في مسألة استهلاك المخدرات وبيعها والترويج لها، وتحديدا مادة الحشيش المخدر المعروفة محليا بـ”الزطلة”.

وأظهرت المؤشرات الإحصائية لدى مراكز معالجة المدمنين أن تعاطي المخدرات في تونس استفحل بشكل كبير خلال الأشهر الأخيرة في الأحياء الشعبية مثل “حي التضامن” و”حي الزهور” و”حي الملاسين” وكذلك في الأحياء الراقية مثل “حي النصر” و”المنزه”.

ومن جهته كشف رئيس جمعية الوقاية من تعاطي المخدرات عبدالمجيد الزحاف، أنّ التشريعات الموجودة حاليا لا تضطلع بدور فعّال في الحدّ من نسبة استهلاك القنب الهندي، وقال إنّ مكافحة الظاهرة تستوجب بدرجة أولى مراجعة العقوبات، فمن غير المعقول أن تكون عقوبة المستهلك، السجن سنة كاملة، بينما يجب على السلطات التكفل بعلاج المدمن والقيام بحملات توعوية في أوساط الشباب بمختلف ولايات الجمهورية.

وأطلق رجال التعليم والنشطاء النقابيون في تونس صيحة فزع من أجل مقاومة انتشار تعاطي المخدرات في صفوف تلاميذ المعاهد الثانوية، مطالبين الجهات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني بالتدخل لوضع حد لـ”ظاهرة باتت تنخر الشباب التونسي وتهدد مستقبله”.

وقال الناشط النقابي الأسعد اليعقوبي إن “المخدرات شهدت خلال الفترة الأخيرة انتشارا رهيبا في صفوف تلاميذ المعاهد الثانوية وأصبح تعاطيها من قبل الفتيان والفتيات ظاهرة تهدد مستقبل الناشئة في تونس” . وأرجع تعاطي المخدرات داخل أسوار المؤسسات التربوية إلى عدة عوامل نفسية واجتماعية.

وأظهرت إحصائيات حديثة أجرتها وزارة الصحة في المعاهد التونسية أن 12 تلميذا من بين 30 تلميذا يتعاطون المخدرات، وهو مؤشر مفزع أثار هلعا داخل العائلات التونسية.

21