التفكير الذاتي في عصر الإنترنت

لقد صرنا نعيش في مجتمعات مهذارة تعيش تحت ضغط دائم من شتى الجهات، توهم بأنها أعملت الفكر في هذه القضية أو تلك، والحال أنها اكتفت بهذر عقيم وثرثرة عابرة حوله.
الخميس 2018/05/03
بعيدا عن الثرثرة العابرة

ما يلفت الانتباه في هذا العصر الرقمي الذي تناسلت فيه القنوات التلفزيونية وبرامج تدعي نشر الثقافة وفي الأقل إثارة قضاياها الحارقة، هذا النزوع إلى الحديث عن كل شيء حديثا لا يتبين المتلقي أوله من آخره، فالمهم لدى أصحاب تلك البرامج ليس تناول موضوع ما بالدرس والسعي إلى البرهان على هذا الموقف أو ذاك عن طريق الاستدلال المنطقي والحجاج المعرفي، وإنما فقط أن يثار الحديث حوله ليشفعه مقدم البرنامج أو ضيوفه بتعاليق عن التعاليق في حلقة مفرغة، فلا يتم التوقف عند الموضوع بل يُلمس أهون لمس من هذا الطرَف أو ذاك، ثم يجري المرور إلى ما يليه، كيفما كان، لأن الوقت دائما ضيق.

لقد صرنا نعيش في مجتمعات مهذارة تعيش تحت ضغط دائم من شتى الجهات، توهم بأنها أعملت الفكر في هذه القضية أو تلك، والحال أنها اكتفت بهذر عقيم وثرثرة عابرة حوله. وازداد الأمر حدة بتفشي المواقع الاجتماعية، حيث لم تترك المكابرة والادعاء والتظاهر التي تميز تلك الفضاءات حيزا للرأي الموضوعي المبني على خلفية فكرية جادة.

فكيف يمكن للمرء أن ينأى بنفسه عن هذا الصخب الدوار؟ يقول الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي جان بيير لوغوف إن ذلك لا يكون إلا بنحت المرء وجهة نظره الخاصة بكل حرية بعيدا عن المهاترات التلفزيونية والضغوط الاجتماعية وموضات الساعة، والتحلي بالشجاعة الأخلاقية والفكرية لا يخشى في قول الحق لومة لائم. والشرط أن يتأنى في فهم القضية المطروحة والإلمام بأبعادها وخلفياتها قبل أن يزعم أنه يملك عنها إجابة شافية، وأن يدرب نفسه على التمييز بين فكرة وأخرى، وبناء استدلال منطقي متجنبا الإيحاءات الفضفاضة والمقولات الخارجة عن سياقها، والرغبة في الظهور بمظهر المطلع العارف بكل صغيرة وكبيرة.

وهذا كله يدخل في باب التفكير الذاتي أي أن يفكر المرء بوسائله الخاصة، بعيدا عن المؤثرات الخارجية، حيث يدعى إلى وضع أفكاره في مواجهة تجارب المعيش اليومي والحياة العملية، ليبحث عن الحقيقة بنفسه حتى يعرف نفسه والآخرين، ويتصرف بحرية حسب مبادئ يمكن تطبيقها في كل حال.

ولعل أبرز مثال عمن جعل التفكير الذاتي أساس البحث الفلسفي ألبير كامو، فقد كان من الأوائل الذين بيّنوا أن العقيدة الماركسية اللينينية الماضية في مسيرة تاريخية حتمية نحو الرفاه والخير العميم ترافقت بنيهلية واستهانة أضفتا شرعية على العنف والجريمة وبررتا ما لا يمكن تبريره، بخلاف الشيوعيين والتروتسكيين الذين ظلوا متمسكين بأيديولوجيتهم، زاعمين امتلاك مفاتيح سيرورة التاريخ.

15