التفكير في الإرهاب

الاثنين 2014/09/29

كيف يمكننا التّفكير في مفهوم منفلت من عقاله، ولم يحظ بعد بأي توافق حول دلالته ومعناه؟ هل هناك من منهجية قد تساعدنا في فهم ظاهرة محكومة أصلاً باللاّيقين واللاّتوقع؟ لكن، ألا تكون محاولة فهم الجريمة مجرّد توريط لنا في تبرير ما لا يُبرر؟ وإلاّ فكيف يمكننا أن نفسر دون أن نبرر؟ إننا في ورطة، لكن يبقى أمامنا بديل معقول، التفكير من دون نيّة للفهم والتفسير، التفكير المفتوح دون نوايا مسبقة وبالأحرى دون ضمانات.

لا تظهر الظواهر على حين غرّة، بل هي محصلة سيرورة ومسار وسياق. والسّؤال، أين مكمن العطب الذي أضعف جهاز مناعتنا الدّاخلي حتى صرنا عاجزين عن مقاومة إفرازاتنا من التطرّف؟

قبل هذا هناك سؤال معقول، بأي حق نتحدّث اليوم عن التطرّف الذي يمارسه بعض المسلمين باعتباره هو المقصود بالإرهاب العالمي؟ ألا توصف عمليات إيتا الأسبانية والألوية الحمراء الإيطالية والجيش الأيرلندي وغيرها بالعمليات الإرهابية؟ وبالتالي، أليس الإرهاب كما نقول عنه، لا وطن له ولا دين؟ فلماذا تلصق صفة الإرهاب العالمي أو المعولم بالإرهاب الممارس باسم الإسلام حصراً؟

من دون شك، لقد صار الإرهاب بلا وطن، لكن- وهنا المسألة- هناك من صيّره كذلك. صار الإرهاب بلا ثقافة، بلا هويّة، بلا خلفيّة ترابيّة، معلقاً في الفضاء، عابراً للأوطان، منزوعاً عن كل سياق، معولماً بالأحرى، لكن- وهذا ما نريد التنبيه إليه- هناك من صيّره معولماً، بمعنى، هناك فاعلية معينة قادت إلى هذا المآل، هناك مسؤوليات محددة في كل الأحوال، سواء أكانت مسؤوليات أشخاص أم مسؤوليات بنى ونظم وأنساق. لقد صار الإرهاب بلا وطن، لكن بأي معنى أصبح بلا دين أيضا؟

مورس الإرهاب لأسباب دينية ولأسباب وطنية ولأسباب أيديولوجية ولأسباب عرقية. ما زلنا نتذكر مجازر الخمير الحمر في كمبوديا، والهوتو في رواندا، والتفجيرات الانتحارية التي مارسها نمور التاميل في سيريلانكا، والتفجيرات الإرهابية التي مارسها اليمين المتطرف واليسار المتطرف في نصف دول العالم، كل ذلك يؤكد بأن الإرهاب آفة شهدتها الكثير من الحركات العرقية والأيديولوجية. وحتى لدواع دينية فقد لجأت بعض المنظمات اليهودية إلى أسلوب التفجيرات الإرهابية في الأربعينات، ثم شهدت العشرية الفاصلة بين 1978 و1997 موجة من الانتحار الجماعي نفذتها طوائف مسيحية متطرفة في قارتي أميركا وأوروبا، لكن- هنا الفرق- كل هذا العنف وغيره كان يتمّ في سياق صراع مرتبط بخلفية ترابية محدّدة، وبمناطق نفوذ واضحة.

وفي المقابل، إذا كان العنف الممارس باسم الإسلام اليوم قد تعولم، فلأنه نجح في الانفكاك عن روابط الجغرافيا. إنّه أول إرهاب يضرب في أي مكان من العالم، دون أن يكون له مجال نفوذ محدد. نعم، هناك معطى فقهي محوري يتخذ أسماء كثيرة كـ“أمة الإسلام” و“أمة المسلمين” و“أمة محمد” و“دار الإسلام”، لكن هذا المعطى الفقهي يظلّ افتراضياً وغير محدّد جغرافياً أو ترابياً أو قوميا، وهو لذلك قابل منذ البدء للتّعولم.

وإذا كانت “دار الإسلام” قديماً تمتدّ، إلى حيث تنتصب آخر مئذنة لآخر مسجد في أرض الله، فإنّ هذا التّقدير يضع المسلم اليوم أمام مفارقة كبرى: المساجد موجودة اليوم في كبريات مدن أميركا وأوروبا وروسيا والهند وغيرها بلا حاجة إلى “الفتح”، ما يجعل العالم كله يبدو كأنّه دار للإسلام، لكن المسلم في المقابل لا يزال يشعر بنوع من الغربة في العالم المعاصر، طالما أن المعايير التي تمنحه حرية ممارسة دينه غير مستوحاة من شريعته. لذلك يأخذ “حقه” وفي نفس الوقت يرفض المعايير التي تمنحه ذلك “الحق”، وهنا المفارقة. ويبقى الحل المتخيّلُ عند الأكثر تعصباً أن يفرضوا معاييرهم وأن يؤسلموا العالم. والنتيجة، أن العالم سيبدو كأنه دار حرب وغزو وجهاد.

شكل الحادي عشر من سبتمبر منعطفاً في تاريخ الإرهاب العالمي، حيث قفز بعض المسلمين لاحتلال مقدمة المشهد الإرهابي في العالم بلا منازع، إلى حد يكاد فيه الإرهاب العالمي يقترن باسم الإسلام. ورسمياً، انتقل الإرهاب العالمي من سائر الألوان (الأحمر، الأصفر، إلخ ) ليصبح أخضر اللون، قبل أن يُصيّره من هم أشدُّ تشدّداً سواداً في الأخير، وقد زعموا أن السواد هو لون راية الرّسول.

لن نقرأ سيمياء الألوان في حديث منسوب للرّسول ويحيل إلى العقيدة المهدوية- الحديث عن الرايات السود التي تطلع من قبل المشرق لتقتل الناس- لكن حسبنا أن نكتفي ببعض المعطيات ذات الصلة بالموضوع.

صحيح أنّ “الإرهاب” باسم التشيّع ظل محصوراً في الصراع حول مناطق نفوذ محدّدة (إيران، جنوب لبنان، جنوب العراق، المزارات)، هذا في الوقت الذي انفلت فيه “الإرهاب” باسم التسنّن عن معطيات الجغرافيا، وربّما التاريخ أيضاً، لكن هذا التحليل ينقصه معطى هام: بسبب الحاجة إلى ملء “الفراغ السني” واستنطاق “الصمت السني” حول علاقة الدين بالدولة في دول “العالم السني”، ولغاية إضفاء المشروعية الدينية على الدولة، فقد كانت هناك مؤثرات قادمة من الثورة الإيرانية ومن الأيديولوجية الخمينية على وجه التحديد، ويمكن رصدها.

كانت كتابات أيمن الظواهري، “الحصاد المر” و“فرسان تحت راية النبي” و”الولاء والبراء” وغيرها من كتبه، بمثابة خطاب تأسيسي لظاهرة الإرهاب العالمي. ولنتصفح كتاب “الحصاد المر”، ماذا نجد؟ حين ينتقد الظواهري ما يعتبره منهجا سلميا عند الإخوان، فإنه يؤكد في نفس الكتاب بأنّه يستثني سيد قطب من هذا النقد، ما يعني أنّه يحتفظ بولائه للأيديولوجيا القطبية. وهذا معطى هام. لكن، ماذا عن المؤثرات الخمينية؟ يقول في خاتمة الكتاب: “إن المسائل التي ذكرناها في الباب الأول من هذا الكتاب، وهي مسائل الحكم بغير ما أنزل الله، والديمقراطية، والموالاة والمعاداة، ليست هي من مسائل الفروع التي يسوغ فيها الاختلاف الفقهي، بل إنها من أصول الإيمان، بل إنها متعلقة بأصل أصول الإيمان وهو عقيدة التوحيد”.

الزّعم بأنّ الدّولة أصل من أصول العقيدة، يعدّ محصلة مسار انقلابي طويل الأمد تعود جذوره إلى الأيديولوجيا الجبرية وابن حنبل وابن تيمية وسيد قطب، وقد دعمته في الأخير التجربة الإيرانية والمؤثرات الأيديولوجية الخمينية القائمة على مبدأ ولاية الفقيه.

وليس يخفى أثر كتابات الظواهري وغيره من أقطاب التطرف في دفع الكثير من حركات الإسلام السياسي نحو أتون العنف الجهادي: ومثلا معلوم كيف تحولت جبهة الإنقاذ الإسلامية (الفيس) في الجزائر نحو الجماعة الإسلامية المسلحة (الجيا)، وصولا إلى القاعدة في المغرب الإسلامي. كما أن جماعة الجهاد في مصر خرجت من رحم جماعة الإخوان، التي لم تتردّد في التحالف مع أنصار بيت المقدس، ذراع القاعدة في شبه جزيرة سيناء، عقب خلع محمد مرسي.

في كل الأحوال، فإنّ فشل “الإسلام السياسي المعتدل” في وقف تغوّل “الإسلام السياسي المتطرف”، بل التحالف معه في بعض الأحيان، قد أبقى الباب مفتوحا على أفقين: أفق أوّل قد ينجح فيه بعض الإسلاميين في إنجاز مراجعات فكرية لمشروعهم لغاية فك الارتباط مع مفاهيم “القدامة” الدينية وتوفير الأرضية لتجديد ديني جدي وجذري بعيداً عن حسابات السلطة والصراع على السلطة، وأفق ثان قد يسقط فيه كثير من الإسلاميين في شبكات الرّعب العبثي والموت المجاني.

هل لا يزال الأفق الأوّل ممكنا؟ هذا سيتطلب بعض الوقت وكثيرا من الجهد. في الأثناء يتوجّب علينا أن ننجح في “فك الاشتباك” بين الفكر الديني والفكر السياسي، ليس لأجل استقالة الدين عن وظائفه الرّوحية والاجتماعية كما يتوهم من يسيئون الظن، لكن بما يمنح للإسلام فرصة أن يعيد بناء رؤيته لكي يصبح شريكا في بناء الحضارة الإنسانية بدل تدميرها. وهذا أعزّ ما يُطلب.


كاتب مغربي

8