التفكّر في دبي العربية: ما الذي ينقص العرب الآخرين

الثلاثاء 2014/04/15

باعتباري عربيا أقع في هذا السؤال كلما زرت مدينة دبي: ما الذي ينقص العرب الآخرين لتكون مدنهم مزدهرة ونظيفة مثل هذه المدينة؟ وقد سمعت غيري يقع في أسئلة أخرى مقلوبة منشؤها اليأس العربي، مثل السؤال عن كيف لدبي، الواقعة في محيط هذا التخلف العربي، أن تحقق ما حققته؟ ما هو سرها أو خلطتها الحكومية السرية؟ وقد وقع البعض، من ناحية أخرى، في حالة عجز عن تفسير الظاهرة “الدبوية”، حين عمدوا إلى تهميش المنجز التنموي والاقتصادي المذهل في دبي على اعتبار أنها فقاعة ستضمحل عند أول نفخة وستصبح كأنها لم تكن.

ورغم كل الأسئلة المصابة بالإحباط والآراء التي تنشأ من حالة العجز العربي العامة تمضي دبي في طريقها لتخطف أبصار مدن العالم كافة وليس فقط مدن العرب، خاصة بعد فوزها باستضافة «إكسبو 2020». وعلى سبيل المثال، حيث يصعب فعلا الحصر، ينشغل البريطانيون منذ أسابيع بالحديث عن مطار دبي الدولي الذي تفوق على مطارهم الأشهر “هيثرو” وأصبح الأول عالميا بعد أن أظهرت الإحصاءات لأول شهرين من عام 2014 أن عدد المسافرين الذين استخدموا مطار دبي أكثر من الذين هبطوا في هيثرو بالعاصمة البريطانية، وذلك رغم أن هيثرو يمثل مركزا مهما للعديد من شركات الطيران العالمية.

الصين، أيضا، اختارت دبي لاستضافة وفد موظفي شركة “نو سكن” الذي يضم 16000 موظف، حيث فازت بهذه الاستضافة الدولية الكبرى على كل من مدينة سيول وسنغفاورة ومكاو. ولم يكن هذا الفوز صدفة، بل نتيجة جهود قام بها منذ عام 2012، مكتب دبي للمؤتمرات والفعاليات التابع لدائرة السياحة والتسويق التجاري. وقد تعايشت في الفندق الذي نزلت فيه مع هذا الحج الصيني إلى دبي بكل ما فيه من المشترك التجاري والإنساني بين العرب والصينيين.

وعلى نفس هذا المنوال تؤكد دبي العربية تكرارا، حضورها على المستوى الدولي وتسجل هذا الحضور باعتبارها الأولى على هذه القائمة أو تلك، فلماذا نجحت بينما فشلت دول أجنبية وعربية أخرى لديها من مقومات الجذب السياحي ما لا يتوفر لها؟ ما الذي لدى دبي أكثر مما لدى القاهرة أو بيروت أو تونس أو مراكش؟ وعلى صعيد جغرافي أقرب ما الذي لديها أكثر من الكويت أو الرياض أو المنامة أو مسقط؟

الإجابة، هي أن دبي مدينة شابة، منفتحة متسامحة وعاملة وآمنة. وشبابها المفعم بالطموح، يعطيها أفضلية على مدن كثيرة في العالم شاخت أو أصيبت بالاختناق في عدد السكان والزوار. وانفتاحها المحسوب يعطيها أفضلية على كل المدن العربية. وتسامحها يجعلها مدينة مرحبة بكل الأجناس والألوان، مقيمين أو زائرين أو مستثمرين، يتشاركون، بعيدا عن شرور السياسة ومفارقاتها، قصص النجاح التي يحققونها في ظل إدارة حكومية متقدمة وخدمات ممتازة وبيئة عمل ومعيشة تتوفر لها كل المقومات الكبرى والصغرى، حسب القدرة والذكاء الفردي الذي يتحدد بناء عليه مستوى المعيشة للجميع.

أما كونها مدينة عاملة وآمنة فهذا ما يتفق عليه الجميع مع اختلاف مستويات معيشتهم. واللبنانيون خير من يخبرك عن العمل والأمن في دبي مقارنة ببيروت، المرشحة أوائل القرن الماضي لتكون باريس الشرق الأوسط، والتي تعاني من الشح الاقتصادي وانعدام الأمن نتيجة اتساع الملعب الطائفي.

التجربة المصرية الأخيرة، تدلك على حكمة دبي في النأي عن تلبيس كل تفاصيل الحياة بالدين، فبعد سنوات الفساد الثلاثين، أجهز الإخوان وجماعات الإسلام السياسي على حلم المواطن المصري، الذي ثار على هذا الفساد، بعودة الحياة المستقرة إلى بلاده التي تعتبر السياحة من أهم مصادر دخلها، وبينما لم يكسب هذا المواطن المدينة الفاضلة التي بشر بها الإخوان، فقد خسر المدينة العاملة والآمنة لحساب الإرهاب الذي يزيد من وتيرة بؤسه ويؤخر أسباب راحته ومعيشته.

تونس وليبيا، اللتان اشترك شعباهما مع الشعب المصري في حلم العيش الكريم بعد الثورات، وقعتا في فخ أجندة الإسلام السياسي التي لا تبشر بغير الانغلاق والسيطرة والفرز على أساس هوية الانتماء الحزبية الدينية الضيقة. وقد أصبح واضحا أن شعبي هاتين الدولتين فقدا سريعا الأمل بالحضن الوطني الجديد والسعيد، حيث بات البحث عن الأمن هو المطلب الأول.

وفي مدن الخليج، التي يصل سكانها إلى دبي خلال نصف ساعة أو ساعة طيران، لا تزال المسافة بعيدة عن جارتهم المتفوقة. والسبب هو أن بعض هذه المدن وقعت في مطبات الفساد المالي والإداري، وبعضها تأخر في رسم خطط الحاضر وصياغة رؤية المستقبل لنمائها وضمان ازدهارها الاقتصادي بعد نضوب ثروة النفط، بينما تتعامل بعض مدن الخليج مع أبواب الانفتاح على العالم بحذر شديد، حيث إذا فتحت بابا أغلقت عشرة أبواب. وهذا فوت عليها الكثير من فرص التجاوب مع متغيرات هذا العالم والاستفادة الاقتصادية من هذه المتغيرات، التي تتيح لها تحقيق قيمة مضافة لاقتصادياتها تعتقها من ورطة مداخيل النفط التي ستتوقف حتما في يوم من الأيام.

ولعلنا، نجد التفسير العملي لحضور مدينة دبي المرموق وازدهارها على المستوى الدولي والإقليمي. لقد قرأت حكومة دبي نفسها والعالم من حولها بشكل صحيح واختارت أن تلعب مباراة التنمية على أرضها بمواصفات دولية مجربة. الانفتاح والتسامح أولا حيث يُمنع توظيف الدين لأية أغراض فردية أو فئوية أو سياسية، والعمل ثانيا حيث تتاح الفرص للجميع، مواطنين ومقيمين، بقدر كبير على قاعدة اعمل واجتهد تجد، والأمن ثالثا حيث تتوفر منظومة أمنية متقدمة تحفظ لسكانها وزوارها أمنهم وسلامتهم من أية مخاطر.

إذا عدنا إلى عنوان هذه المقالة، ما يجيب على سؤالنا عما ينقص العرب الآخرين ليكونوا مثل دبي. ينقصهم، بحسب طبيعة وظروف كل دولة، الانفتاح والتسامح أو العمل الجاد أو الأمن. لكن السؤال الذي يبقى دون إجابة هو: إذا كنا نعرف من تجربة دبي العربية مواصفات النجاح فلماذا نختار البقاء في ظلمات التخلف وإلى متى؟


كاتب سعودي

9